الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 تشرين الثاني 2021

الأسير المنتصر والسجان المهزوم

هادي جلو مرعي*

معادلة لا تجد لها مثيلا إلا في فلسطين بلد الصبر والصمود والعهد المتجدد مع الرفض للذل والاستسلام، بلد اليقين بالنصر الموعود، بلد الشبان الذين تمنطقوا بالعزم بلا حدود، وواجهوا السجون والسجانين في معركة لابد من منتصر فيها ومهزوم، وفي كل يوم نصر جديد للأسرى، وانكسار جديد للسجانين، ففي فلسطين وحدها دون غيرها، يرتعد السجان ويتبختر المسجون، ويطبع العبوس وجه السجان، والابتسامة تزين وجه المسجون الذي يقول لسجانه، سيأتي اليوم الذي لا يكون لك مكان بيننا، ولو كان في السجن طالما ان السجن على أرض فلسطين، فنحن في أرضنا والسجن فيها لها ولنا، أما أنت فغريب، ولا يليق بسجن على أرضنا أن يسجن فيه غاصب معتد مثلك، ومكانك سيكون بعيدا عن هنا. هناك بعيدا وبعيدا جدا، وليس مهما أين يكون هذا البعيد، المهم أن تغادر وإلى الأبد. 
الإرادة سلاح الفلسطيني الصامد الذي يبتسم مع شدة الألم ولا يستسلم، ويتحول إلى مثال وقدوة ويكون عنوانا راسخا يهتدي به الباحثون عن المجد، والرافضون للذل والاستخفاف والعبودية، وليكونوا هم المستخفون بعدوهم الذي سيتحول في يوم قريب إلى منبوذ لا مكان له ولا وجود ولا عنوان، شرط أن يستحضر المظلوم عزما وصبرا وتحديا وإرادة لا تقهر ولا تنكسر لأن قدر شعب فلسطين أن يقاوم ويصمد ويصبر على المحن، ويقدم الشهداء والمضحين، ويتحمل الحصار والتجويع، وينظر إلى الأقربين وهم يبتعدون، ويضعفون طمعا وخوفا، ويتنازلون عن حقوق ليست لهم، ولكنهم ظنوا أنفسهم أوصياء على ما ليس لهم فيقررون أن يتنازلوا عنه لينالوا الرضا ولن ينالوه أبدا، ويبيعوا قضية الشقيق، بدلا من مساندته ومناصرته. 
كلما اشتدت المحنة، وصبر المضحون تأكد نصرهم، وتأكدت هزيمة عدوهم وانكساره وخيبته، فالذي يبحث عن الحق يدركه طالما كان مؤمنا به مدافعا عنه، والذي يتمسك بالباطل يخذله، ويتخلى عنه ويفارقه مثل إبليس حين يتخلى عن أعوانه، والمستجيبين لزيفه ووساوسه المضلة التي لا تنفع في شيء سوى أنها تطوق أعناق مريديه بالذنوب التي لا منجى منها ولا مهرب ولا خلاص مطلقا، وقدر الفلسطينيين أن ينوبوا عن الإنسانية جمعاء، فيقفون في وجه الباطل، ويتصدون لعدوانه وجبروته وتمرده على القيم الإنسانية، ونهبه لخيرات الشعوب وتهميشها وتركيع أبنائها لمجرد انه قرر أن الأرض أرضه والتاريخ معه متجاهلا زيف ما يأتي به من أباطيل وخزعبلات وأساطير قديمة لا تصمد أمام البراهين القاطعة، وتنهار وتتحول إلى كثبان تذروها الرياح.
* كاتب عراقي