الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تشرين الثاني 2021

الاستيطان والمناورة الالتفافية

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

الاستيطان الاستعماري خيار إستراتيجي لدولة المشروع الصهيوني، وأساسا قامت على هذه الركيزة، وما زالت تعمقها وتوسعها صعودا وهبوطا وفق معايير وشروط اللحظة السياسية. لكنها تسير بخط بياني صاعد، ولا تتوانى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ التأسيس في العام  1948 حتى الآن وغدا وبعد غد عن الدفع بعمليات المصادرة والتهويد للأراضي، والسيطرة على العقارات والبيوت عبر عمليات التزوير والأكاذيب والترهيب والضرائب كخطوات رئيسية لعملية التطهير العرقي، وطرد ونفي أكبر عدد من أبناء الشعب من أراضي دولة فلسطين المحتلة عموما ومن القدس العاصمة الأبدية للدولة خصوصا لترسيخ الضم الفعلي عبر عملية تبادلية تتكامل ببعدي التطهير والتهجير القسري للفلسطينيين، وبالمقابل استقطاب مستعمرين جدد من إسرائيل ودول العالم المختلفة، وحتى أحيانا بدون وجود مستعمرين، لأن الهدف هو فرض السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية لبناء دولة إسرائيل على كل فلسطين التاريخية، تنفيذا للشعار الإستراتيجي للحركة الصهيونية "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض".

وفي هذا السياق تتجلى مصادقة اللجنة المحلية للتخطيط والبناء في بلدية القدس الصهيونية يوم الأربعاء الماضي (24 نوفمبر الحالي) على بناء حي استيطاني استعماري جديد على أرض مطار قلنديا، شمال العاصمة الفلسطينية، والذي من المفترض أن يحتوي على ما يزيد عن 9000 آلاف وحدة استعمارية، وسيبنى على مساحة 1243 دونما. وحسب المخطط يعتبر الحي الجديد أكبر حي استعماري في زهرة المدائن، وفق ما جاء في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في ذات اليوم المذكور آنفا.

والمعلوم لكل أصحاب الاختصاص، والمتابعين للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كان من المقرر أن تسلم الحكومة الإسرائيلية المنطقة للسلطة الوطنية، استنادا لمحادثات تمت بهذا الشأن. لكن القيادات الإسرائيلية ذات الصلة في هذه الحكومة، وفي الحكومة السابقة، وأسوة بكل الحكومات عودتنا على عدم الالتزام بأية تعهدات أو اتفاقيات، ولا تبالي نهائيا بالمصالح الفلسطينية، ولا تعير التفاتا لبيانات الاستنكار والشجب الأميركية والأوروبية والعربية، لأنها تدرك جيدا، أنها (البيانات) لا تحمل دلالاتها، ولا تعكس جدية على الأرض.

ومع ذلك أرسلت حكومة بينت/ لبيد توضيحات للإدارة الأميركية، أفادت فيها "عدم اعتزامها المضي قدما في بناء حي استيطاني على أرض مطار العاصمة القدس، وفق ما أورد موقع "واي بينت" الإسرائيلي يوم الخميس الماضي. ولكن هذه التوضيحات لم تحمل أية مصداقية أو جدية فيما تضمنته، لا بل إن ذات الرسالة الإسرائيلية حملت نقيضها، وهو ما أوضحه العديد من المسؤولين الإسرائيليين بقولهم، إن قرار البلدية بإنشاء الحي الجديد، هو عملية تستغرق وقتا طويلا، ويفترض أن يعرض على القيادة السياسية، وبالتالي يحتاج على أقل تقدير لمدة عام. بتعبير أدق، إن القرار سيتم تنفيذه، ولكن بعد أن يستنفد الإجراءات الفنية بين البلدية الاستعمارية والطواقم الهندسية المختصة.

وهذا ما أوضحته صحيفة "هآرتس" بالقول: "لا يتوقع أن يتم اتخاذ قرارات في هذه المرحلة، لكن ليس من الواضح إذا ما كانت الحكومة ستوقف الخطة" الاستعمارية الاجرامية. وبالتالي فإن توضيحات الحكومة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تمت للحقيقة بصلة، لأن حكومة التغيير ماضية قدما في مخططها الاستعماري لفصل العاصمة كليا عن الضفة الفلسطينية، باعتمادها الطرق الالتفافية، وانتهاج سياسة المناورة والتسويف.

 وأضافت الصحيفة الإسرائيلية، أن الاميركيين يتساءلون عن سبب المصادقة على الخطة الآن، في حين عمل رئيس الوزراء السابق، بنيامين نتنياهو خلال السنوات العشر الماضية، على تأخير المصادقة عليها. وكأن إدارة بايدن تكتشف دولة التطهير العرقي الإسرائيلية من جديد. مع أنها المفترض بحكم معايشة الرئيس الديمقراطي العديد من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على أقل تقدير منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، ومتابعته لملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بات يعي جيدا خلفياتها، ويعرف حق المعرفة أولوياتها. فالاستغراب ليس من مصادقة اللجنة المحلية للتخطيط لبناء الحي بإيعاز من حكومة الخليط الصهيوني المركب، إنما من تجاهل الإدارة المنهجية الاستعمارية الإسرائيلية، التي لا تتعلق ببناء 9000 وحدة استعمارية، وإنما برفضها من حيث المبدأ خيار السلام، وهذا ما أكدته يوم الأربعاء الماضي شاكيد، وزيرة الداخلية الإسرائيلية، التي قالت، إنه لا مجال لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في المستقبل، مكرسة خطاب شريكها زعيم يمينا، ورئيس الحكومة، الذي لا يرى في الأفق إمكانية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وإذا كانت حكومات إسرائيل المتعاقبة ترفض مبدأ السلام، وتؤصل لتعميق الاستيطان الاستعماري على حساب مصالح وحقوق الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والوطن الفلسطيني، لماذا الاستغراب أو الاستهجان؟ وأليس من الأجدر بالإدارة الأميركية استخدام نفوذها وأوراق قوتها لإلزام حليفتها الإستراتيجية بمعايير السلام وخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967؟ الآن الكرة في مرمى الولايات المتحدة وشريكها الاتحاد الأوروبي في ممارسة الضغوط الفاعلة واستخدام ورقة العقوبات لإعادتها لرشدها إن كانوا صادقين في دعواتهم لتحقيق وترجمة خيار حل الدولتين.

[email protected]