الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 24 تشرين الثاني 2021

الاتفاق النووي: مفترق طرق استراتيجي

اسرائيل اليوم-بقلم: دان شيفتن

الاشهر القادمة حرجة لامن اسرائيل القومي، لانه في اثناءها ستصمم القرارات الاميركية حيال ايران محيطنا الاستراتيجي لسنوات عديدة. من يفحص، في واشنطن وفي القدس، تداعيات السياسة الاميركية في الجانب النووي الضيق، يفوت الامر الاساس. فالرئيس بايدن سيحسم بين ميلين: في احد القطبين، سياسة مسؤولة، اساسها لجم الزخم الايراني للهيمنة في المنطقة وتثبيت تحالف يسمح بتوجيه مقدرات الولايات المتحدة للكفاح العالمي للصين. في القطب الثاني يدور الحديث عن الدفع الى الامام بالثورة الايرانية الى مكانة قوة عظمى في اثناء ذلك سنصل، باحتمالية عالية الى مواجهة اقليمية واسعة.
الغرب الديمقراطي بالعموم، والاميركيون بالخصوص، فشلوا المرة تلو الاخرى في فهم الظواهر الراديكالية. فالاميركيون يفترضون بان الحديث يدور عن شعارات "متطرفة" فارغة وعن زعماء "عقلانيين" في اساسهم سيتصرفون بشكل "عملي" عندما "يكون لديهم ما يخسرونه". هكذا اخطأوا في فهمهم لهتلر، ناصر، كاستر، الاسد، عرفات، شافيز واردوغان. عمى ثقافي مشابه افشلهم على نحو منتظم في جلب الديمقراطية للعراقيين، التعددية لليبيين، التسامح للاخوان المسلمين، مساواة المرأة للافغان والسلام للفلسطينيين. فالذكاء الايراني يُستصعب على الاميركيين بخاصة عندما يكون ممثلوهم – وزير الخارجية الاسبق جون كيري، والممثل الخاص لبايدن روب مالي، منكشفين على التلاعبات الايرانية، بسبب ميلهم الايديولوجي ومؤهلاتهم الشخصية غير المبهرة.
الاتفاق النووي سيساهم بشكل هامشي في لجم تقدم ايران في احد المواضيع الاقل حرجا في البرنامج النووي الايراني، ولكنه سيعطي زخما دراماتيكيا لقدراتها العظمى ولعدوانها الاقليمي. في مجال التخصيب حققت ايران كامل مسعاها تقريبا. حتى لو كفت عن التخصيب الى 60 في المئة واخرجت الى روسيا المخزون الذي جمعته، فان سيطرتها واستقلالها في العملية يسمحان لايران بالعودة الى ذلك، حين تقرر، مع الكثير من أجهزة الطرد المركزي المتطورة. ليس التخصيب، بل العناصر الناقصة في وسائل الاطلاق ومنظومة السلاح هي العائق الاساس في سعيها الى مكانة دولة حافة قادرة على الانطلاق الى ترسانة نووية. الاتفاق، عمليا، سيعطي الحصانة لتطويرها.
ان خطر الاتفاق هو في المجال الاستراتيجي، حيث يفشل الاميركيون المرة تلو الاخرى: التركيز المهووس على موضوع مرغوب ولكنه ثانوي، بشكل يفشل الهدف الاهم منه بلا قياس.
هكذا، مثلا، تسببت الولايات المتحدة في كفاحها العادل ضد داعش باضرار استراتيجية جسيمة: فرضت الميليشيات الشيعية التابعة لايران على العراق، بنت مكانة اردوغان في سوريا على حساب حلفائها الاكراد، استدعت التدخل الروسي في سوريا. في الاتفاق النووي تظهر المتلازمة ذاتها: الوسائل المخصصة للكفاح العادل ضد التخصيب، بعد ان فرت الجياد من الاسطبل، ستسهل على ايران في السياق العام تحقيق سعيها لان تكون دولة حافة، ستعزز مكانة نظام الثورة من الداخل، وستعطيه الادوات لتحقيق تطلعه للهيمنة الاقليمية.
المسائل الاساس كانت وستبقى الاقتصاد والوعي. فرفع العقوبات سيضع تحت تصرف آيات الله عشرات ملايين الدولارات كناتج مباشر وسيفتح امامهم الطريق لمئات المليارات من اوروبا، من الصين ومن الهند ومن غيرهم من خافوا من عقوبات اميركية ثانوية. واضح للجيع بان معنى الاتفاق المتحقق هو ان ايران اخضعت الولايات المتحدة، فرضت عليها التنكر والتجاهل لاساس تهديداتها في المنطقة والسماح عمليا بتحققها. السعودية واتحاد الامارات تستعدان منذ الان بحوار معمق مع ايران منذ الانتخابات في الولايات المتحدة، لامكانية الهزيمة الاميركية، اذا ما تبنى بايدن فكرة اوباما. في عهد ترامب استعدوا لامكانية الصراع مع ايران باسناد اميركي، من خلال توثيق العلاقات مع اسرائيل وفي هذه الاثناء فانهم لا يهجرون هذا الافق على امل ان يصحو بايدن.
مساهمة حرجة من الولايات المتحدة لتعزيز نظام ايات الله وسعيه الى الهيمنة الاقليمية ستؤدي تقريبا بالضرورة الى مواجهة واسعة مع اسرائيل، التي ترى في مثل هذه الهيمنة خطرا وجوديا. مواجهة كهذه تهدد باجتذاب الاميركيين مرة اخرى الى تدخل عميق وغير مرغوب فيه في المنطقة. لا يزال ممكنا وقف هذا السيناريو، اذا ما فحصوا في واشنطن المعادلة الاقليمية الشاملة، بشكل يتجاوز المجال الضيق للتخصيب النووي.