الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 13 تشرين الثاني 2021

هوية الفيلم السينمائي

د. تيسير المشارقة

دار لغط في مهرجان كان السينمائي الأخير(الدورة 74 لعام 2021) التي عقدت بين السادس والسابع عشر من تموز/يوليو، في فرنسا حول هوية فيلم شارك فيه فلسطينيون وقصته فلسطينية ولكنه من إخراج (مخرج إسرائيلي).

الفيلم بعنوان" فليكن صباحا" للكاتب الفلسطيني سيد قشوع الذي يكتب بالعبرية (المهاجر في أميركا منذ العام 1914 بسبب سوء معاملة المستعمرة للفلسطينيين) ومن إخراج المخرج اليهودي الإسرائيلي عيران كوليرين (حاز على عدة جوائز ومنها لأفضل ممثل وممثلة (أليكس بكري وجونا سليمان)، وحصل على جائزة "أوفير" الإسرائيلية على أنه أفضل فيلم إسرائيلي لعام 2021 وكونه كذلك تم ترشيحه لجائزة الأوسكار للمشاركة كأفضل فيلم باللغة الأجنبية عن المستعمرة الإسرائيلية. ويتناول الفيلم معاناة الفلسطينيين في ظل ظروف حواجز الاحتلال.

وقاطع الممثلون والمشاركون في الفيلم المهرجان لاحتسابه إسرائيليا. وباتت هوية الفيلم ملتبسة، حتى لو كانت عملية الإنتاج تابعة للقطاع الخاص وإن لم يغرِف صاحب الفيلم أو المؤسسة الصانعة له، أو المخرج، من وزارة المستعمرة أي تمويل (أو من: صندوق الأفلام الإسرائيلي). هذا الجدل أو اللغط يدفعنا للتساؤل حول محددات أو مكوّنات الهوية الوطنية أو الدولاتية للفيلم.

أولا، ما المقصود بالهوية السينمائية أو هوية الفيلم ؟ هل هي ذاتها الهوية الوطنية، أي الذي يتحدث عن مسألة وطنية (حتى ولو بطريقة سيئة) أم أن مصدر التمويل هو الذي يحدد الهوية؟ هل المخرج وجنسيته تمنح الفيلم الهوية؟ هل المنتج هو الذي يمنح الهوية؟ هل بلد المنشأ أو الصناعة للفيلم هي التي تحدد الهوية أم أن هناك محددات ومكونات أخرى.

ونذكر هنا لغط مشابه بخصوص الهوية حصل مع المخرجة الفلسطينية سهى عراف (في فيلمها "فيلا توما" 1914 الذي غطى صندوق الأفلام الإسرائيلي 70% من ميزانيته)، ونفس الأمر وقع مع المخرج الفلسطيني المشارك اسكندر قبطي (في فيلمه "العجمي" 2010 الذي غطى صندق الأفلام الإسرائيلي 40% من ميزانيته).

وبالرغم من المخرج كوليران يرى بأن الفيلم السينمائي لا هوية له، إلا أن عرّاف ترى فيلمها فلسطينيا بالرغم من التمويل الذي حصلت عليه كونها دافعة ضرائب في دولة الاحتلال (التي اتهمها وزراء إسرائيليون بسبب ذلك أنها سرقت الأموال العامة والاحتيال على المستعمرة). المخرج قبطي عبر عن نفسه على خشبة مهرجان أوسكار أن فيلمه ليس إسرائيليا. ومما أفصحت عنه المخرجة العراف لوسائل الإعلام، كشف التمييز داخل المستعمرة "إسرائيل" حين ذكرت أن الفلسطينيين في وطنهم الأم داخل الأرض المحتلة 1948 ونسبتهم 20% من سكان "إسرائيل" يحصلون على 2% فقط من ميزانية ثقافة الاحتلال.

هذا الجدل مستمر ويظهر على السطح في كل مرة يحدث فيها تماس سينمائي بين المكون الاحتلالي الإسرائيلي من ابن المستوطنة أو المؤسسة التي اسمها إسرائيل وبين المخرج والممثل والفني الفلسطيني، ابن البلد.

ماذا يقول الباحثون في الأمر يدفعنا للتأمل فيه وترجمته على الأرض والواقع. ففي الحالة الفلسطينية وفي الانتاج السينمائي في الداخل الفلسطيني ينطرح التساؤل حول هوية الفيلم بشدة وأحيانا بحدة. هناك مفكرون مثقفون يطرحون وبشكل جديد وأصيل محددات ومكونات أخرى غير الدارجة حول الهوية السينمائية للفيلم (المخرج والمموّل)، يتحدثون عن أن "الحكاية الفلسطينية" هي التي تمنح لللفيلم هويته الفلسطينية. وهناك الشخصية الرئيسة في الفيلم تمنحه اللون الوطني. كما أن السياقات الوطنية الفلسطينة لوقائع الأحداث تقدم له زخما في هويته. وكذلك الديكورات، فالفيلم الفلسطيني بلا ديكوراته الوطنية (الزيتونة والكوفية واللهجة المحلية والملابس الشعبية والرقصة والنشيد والأغنية والعلم الوطني والقدس والأقصى وطقوس الجنازات للشهداء وحواجز الاحتلال والأعراس وأنماط العيش..) يبقى ناقصا أو مشوّها أو مبتور الهوية. فلا المخرج ولا التمويل يقدمان هوية واضحة المعالم للفيلم السينمائي الروائي أو التسجيلي.

عندما تـؤثث القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية الفيلم السينمائي الروائي، ويكون المسجد الأقصى أو مسجد قبة الصخرة ثيمة رئيسة فيه يمنحه السمة المطلوبة الفلسطينية. فلا يمكننا أن نعرج أو نبعد كثرا عن مشهد الذي يشتمل على قبة الصخرة ورجال يلبسون الكوفية إلا ونتوقف مليا أمامه باحثين في المسألة، أي الهوية للمشهد المرئي. افلام الأخوين الفرنسيين لوميير حول الحياة في القدس قبل مائة عام، منحت المشاهد المطروحة للشريط وسما عربيا وفلسطينيا في آن بالرغم من فرنسية المخرج والمصور.

لا أحد ينكر مسألة التمويل وجهة الانتاج (أي التمويل) وصفتها الرسمية ومكانتها في تعزيز الهوية للفيلم السينمائي. ولكن، وإن غرف الفلسطيني المنتج أو المخرج من ميزانية المستوطنة (بحكم أنه دافع ضرائب كمواطن ومقيم في وطنه) فهل هذا ينقصمن مستويات الهوية؟ سؤال يتدحرج أمامنا في كل مرة. ويبحث عن إجابات مرجوة.

بشكل أكثر وضوحا، الهوية تصبح أكثر رسوخا عندما تتحقق الشروط الممكنة للهوية الوطنية، كالإستقرار والأمن الوطنيين الضروريين، وعندما يعلو شأن الثقافة الوطنية باعتبارها الفاعل الموحد للجميع في ظل غيات الفواعل الموحدة الأخرى، وعندما ترتفع راية الوحدة الوطنية في مقاومة الاحتلال بالطرق الممكنة والمتاحة والمتفق عليها. وتتمظهر الهوية الوطنية للفيلم السينمائي عندما تظهر هذه المكونات جميها دون انتقاص.

وختاما للأمر، فإن الشخصية الوطنية للفيلم السينمائي الروائي والتسجيلي تنمو وتتطور عندما تكون البطولة الفردية والجمعية فيه للإيجابي (الحراك الإيجابي) والتقدمي والكفاحي المقاوم للعدوان والاحتلال والاستيطان، ويتمظهر ذلك في حضور اللغة والمكان والإنسان والحكاية والسياق بكل مفرداته.

[email protected]