الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تشرين الأول 2021

أيُّ فعل هذا..!

تغريدة الصباح - حسن حميد*

أعترفُ ، بأن ما حدث في ساحة المنارة ، في رام الله العزيزة، طيّر عقلي تماماً ، لأنه فعل طيش وعماء وتهور ، فعل أخرق لا تفعله الذئاب الجائعة ، ولا الثعابين المحاصرة،ولا الطيور إن أفسدت هجعتها ليلاً الكواره المفاجئات.

أبداً، هذا الفعل ليسفعلاً ينتمي إلى قيمنا وثقافتنا وتربيتنا داخل بيوتنا، إذ كيف يقوم كائن ، أياًّ كانت قدراته العقلية والجسمانية ، بتشويه المنحوتة الفنية الجميلة البادية على شكل مجموعة من الآساد التي تزين ميدان المنارة، كيف قويت يداه على فعل ما فعل من قباحة؟

نحن أبناء فلسطين لا تعريف لنا في المعاجم التي جمعتها أهم العقول في الدنيا ، والتي نشرتها أهم المؤسسات المعروفة في الدنيا سوى سطر واحد فحواه: الفلسطينيون هم أهل ثقافة وعلوم وفنون وعمران.

هذا السطر يُعرفنا ،لأننا وبحق ، وعلى مرأى من العالم أجمع (وقد كانت ضفة المتوسط مرآة العمران والفنون والآداب للدنيا كلّها ) أهل الإبداع والعمران ، ولا عمران يبقى ويدوم بلا إبداع ، نحن من أنسن البحر ، ونحن من وقّع مع (بوسيدون) معاهدة حسن الجوار ، وقد كانت عكا هي الموقّعة على هذه المعاهدة باسم أهل فلسطين ، ولهذا تقول أمهاتنا: لو بدها عكاتخاف البحر.. ما جاورته!

ونحن من حفظ صولات نهر الأردن داخل ضفتين عزيزتين بالعلم ، والحقول ، والقرى التي كتبت تاريخ النهر وسيرته ، فعرفت فورات غضبه ، والقرى التي زرعت غابات الخروب ، والسنديان، والملول، وأجمات القصب التي راحت تغني للنهر حيناً في ساعات الرضا، والتي راحت تقابله بالصلادة حين يغضب ، ونحن من جعل البحر الميت بحراً للحياة تأتيه الملايين من البشر من أجل أن يتزودوا بالدهشة والسحر ، وقد أطلقت لهواتهم ما جال في قلوبهم تعبيراً عن الحيرة والذهول بما بنته وعمّرته اليد الفلسطينية، ونحن من جعل جبال القدس وأوديتها عاصمةً للعقائد ، وعاصمةً للجمال ، وعاصمةً للدروب العصيّة، وعاصمةً للأدراج التي لا تشبع العينُ من شعاعاتها وسحرها الحلال ، ونحن أهل الصبر والعزم الذين تُهدم قراهم في النقب مئات المرّات ظلماً وتوحشاً وتحت تهديد السلاح، ثم نعيدُ عمرانها، لإيماننا بأن الأوطان قلوب ، وليست كلمات.

هذا هو تعريفنا في المعاجم العالمية ، نحن بناةٌ من أيام إيل وعناة، نحن بناةٌ حين زرعنا النبات لننتج للعالم السّكر ، ونحن بناة حين زرعنا الأزاهير لنعرّف العالم بالألوان، ونحن بناة حين أفاء أهل العلم والآداب والفنون والفكر إلى أعمدة مساجدنا ، وزوايا كنائسنا ، وقبلاً إلى ظلال أشجارنا ،كي نقول هذه الجامعات التي تقرأ الكتب وتدرّسها قبل أن يعرف العالم ما هي الجامعات..وماذا تدرّس، ونحن بناة حين وضعنا العلامات الراشدة إلى البلدان والمدن والقرى، وحددنا الاتجاهات داخل البحر ، ونحن الذين جعلنا الحجارة كتباً يقرأ الخلق فيها الرسوم والكتابات والتواريخ العزيزة..ويرون عبرها الأحلام واقعاً بعد أن كانت محض خيال.

ها نحن ، وهذه هي صورتنا، وإلا من أين لنا هذا الصّبر على هذه الأذيات المتلاحقات اللاهثات بالشرور منذ مئة سنة وحتى اليوم، ومن أين لنا هذه الإرادة لولا كتاب الأجداد الثقيل الوازن الذي يقول: إن إيل هو مرآة العالم التي تنظر إليها النفوس، وأن عناة هي الخصب وجوهره ، وأن هذه الأرض الصغيرة ،بلادنا، هي أرض الله.

لو كان هذا الكائن الذي احتطب الآساد في ميدان المنارة، يعي بعض هذا ،أكان بمُكنته أن يجرؤ على التفكير(التفكير فقط) ليفعل ما فعل؟! ، إنه من الظانين وهماً بأنهم يُحسنون صُنعاً.

--------

* كاتب فلسطيني في دمشق

[email protected]