الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تشرين الأول 2021

مدى انطباق قاعدة حظر تحصين القرارات والأعمال الإدارية من الخضوع للرقابة القضائية على القرارات السيادية

المحامي د. إيهاب عمرو

أثار قرار محكمة النقض الموقرة (بصفتها الإدارية) حول عدم اختصاصها بالنظر في القرار الرئاسي المتعلق بتأجيل الانتخابات كقرار سيادي الكثير من النقاش بين العاملين والعاملات في الحقل القانوني بشكل خاص، وفي الصالونات السياسية بشكل عام.

وظهرت بعض التعليقات والمقالات المنشورة التي تناولت القرار الرئاسي بتأجيل الانتخابات، وتناولت كذلك القرار الصادر عن محكمة النقض الموقرة سالف الذكر. واستندت تلك الأطروحات في معظمها إلى فكرة مفادها أن القانون الأساسي المعدل حظر في الفقرة الثانية من المادة (30) منه النص في القوانين على تحصين أي قرار أو عمل إداري من رقابة القضاء. وهذا النص يشير بوضوح إلى عدم جواز تحصين أي قرار أو عمل إداري من الخضوع لرقابة القضاء الإداري. غير أن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بمدى انطباق قاعدة حظر تحصين القرارات والأعمال الإدارية من الخضوع لرقابة القضاء على القرارات السيادية كالقرار بشأن تأجيل الانتخابات العامة سالف الذكر.                  

وكل ما سبق يفرض علينا واجبا مهنيا والتزاما أكاديميا بتبيان حقيقة تلك الأطروحة التي تتناقض، مع الاحترام لمن يروجها ويتبناها ويبني عليها، مع الأسس التي يقوم عليها القضاء الإداري في الدول كافة، وفي فلسطين بشكل خاص، مع العلم أن محكمة النقض لا تعد مختصة كأصل بالنظر في المنازعات الإدارية،كون أن الاختصاصات الأصلية المنوطة بها تتعلق بالنظر في قضايا حقوقية وجزائية. وإنما منحت الحق بالنظر في المنازعات الإدارية، كاستثناء عن الأصل، بموجب قرار بقانون رقم 41 لسنة 2020، كما أشرت في مقالات سابقة، والاستثناء كما يعرّفه فقهاء القانون لا حكم له، ولا يقاس عليه، ولا يتوسع في تفسيره.

عودٌ على بدء، يمكن القول إن الأطروحة بشأن انطباق حظر تحصين أي قرار أو عمل إداري من رقابة القضاء على القرارات السيادية كالقرار المتعلق بتأجيل الانتخابات العامة تدل على عدم إدراك لدور القضاء الإداري من جهة، وماهية القرارات السيادية المنبثقة عن نظرية السيادة، والتي تختلف عن القرارات الإدارية، من جهة أخرى.

لذلك، يتعين علينا الإشارة ابتداء إلى أن القاضي الإداري يختلف عن غيره من القضاة من حيث التزامه بتحقيق التوازن بين مصلحة الأفراد من جهة، ومصلحة الدولة من جهة أخرى. ولا يُعيب القاضي الإداري أن يعمل على حماية مصالح الإدارة العامة، متى اقتضت الضرورة ذلك، ما يضمن اطراد سير المرافق العامة على الوجه الأكمل، وحماية الأموال العامة، والمصالح العامة. وذلك لا يعني بأي حال من الأحوال تحيز القاضي الإداري لجهة الإدارة على حساب مصلحة الأفراد، كون أن القاضي الإداري كغيره من قضاة المحاكم الأخرى يفترض فيه الحيدة، والنزاهة، والموضوعية، والاستقلالية.

وللرد على الأطروحة سالفة الذكر، نستطيع القول إن المادة (30) من القانون الأساسي المعدل المشار إليها أعلاه تتعلق بحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، وهذا ما تنص عليه بعض الدساتير والقوانين الأساسية الأخرى. غير أن إصرار البعض على انطباق تلك المادة على القرارات السيادية، كالقرار الخاص بتأجيل الانتخابات العامة، يثير الحيرة والتساؤل، ويدل على عدم إدراك من يتبنى تلك الأطروحة بنظرية تعد من أهم نظريات القانون الإداري، ونقصد هنا نظرية أعمال السيادة، مع العلم أنها قضائية النشأة والممارسة. والسؤال المطروح الذي سوف أجيب عليه لاحقا: هل يعتقد أولئك أن القرارات السيادية تعد بمثابة قرارات إدارية يجب أن تخضع لرقابة القضاء الإداري؟.

للإجابة عن التساول المطروح، أكرر ما ذكرته سابقا في أكثر من مناسبة أن أعمال السيادة تخرج من من نطاق الرقابة القضائية (النظامية، والإدارية). لذلك، فإن القرارات الصادرة عن المستويات السياسية في الدولة، كالقرار بشأن تأجيل الانتخابات العامة، لا تعد بمثابة قرارات إدارية تخضع لرقابة القضاء، وإنما تعد قرارات سيادية تخرج من نطاق الرقابة القضائية النظامية والإدارية، كما أسلفنا.

ومعلوم بالضرورة أن نظرية أعمال السيادة تحتوي على مجموعة من المبادئ المستقرة قضائيا والمتفق عليها في الدول كافة، سواء كانت عربية أو غربية، وتنص دساتير وقوانين تلك الدول صراحة على عدم اختصاص المحاكم الإدارية بالرقابة على أعمال السلطة التنفيذية (السياسية)، والشواهد على ذلك كثيرة.

أما بخصوص التطبيق العملي، وكما أشار بعض شرّاح القانون، قام ديوان المظالم (المحكمة الإدارية) في السعودية بإصدار قرارات تُخرج أعمال السيادة من اختصاص ديوان المظالم مع إيراد الأسانيد الشرعية ذات العلاقة، منها مثلاً الحكم الصادر عن ديوان المظالم رقم (14/د/1/3) لسنة 1417 هجرية، والذي جاء منسجماً مع المادة (14) من نظام ديوان المظالم المعدلة حيث جاء فيها: "لا يجوز لمحاكم ديوان المظالم النظر في الدعاوى المتعلقة بأعمال السيادة...". وفي الأردن، أصدرت محكمة القضاء الإداري بعض القرارات بشأن أعمال السيادة وتحصينها من الخضوع لرقابة القضاء الإداري.