الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 تشرين الأول 2021

انقلاب العسكر متوقع

عمر حلمي الغول

يخطئ من يعتقد ان انقلاب الفريق الركن عبد الفتاح البرهان وفريقه العسكري في السودان فجر أمس الاثنين مفاجئ، او غير متوقع، لأن كل المؤشرات كانت تشير إلى حدوثه بين لحظة وأخرى، لأكثر من عامل، منها أولا تمكن المجلس العسكري وجهاز المخابرات السوداني من تمزيق وحدة حركة الإعلان والتغيير في مايو الماضي، ثانيا وضع العراقيل امام حكومة عبد الله حمدوك لمنعها من تحقيق أية إنجازات حتى لو متواضعة، ثالثا دس الفتنة بين الحكومة وفريق الإعلان والتغيير/ الميثاق الوطني من جهة، والحزب الشيوعي وبعض المهنيين من جهة أخرى، رابعا فتح أبواب الصراعات على مصاريعها بين القوى المختلفة، ما سمح لمجموعات فلول النظام السابق بالدخول على خط الصراعات، رغم أنها لم تتمكن من تحقيق مأربها؛ خامسا الإعلان أكثر من مرة من قبل العسكر خلال الشهر الأخير بدءا من 25 سبتمبر الماضي عن محاولات انقلابية، وذلك بهدف تخويف القوى السودانية المدنية مما ينتظرها، والإيحاء بعدم تمكنها من مواجهة التحديات القادمة، سادسا خلط الأوراق في المشهد السياسي السوداني، ودفع التناقضات بين القوى المتصارعة إلى الشارع لتلقي بظلالها الثقيلة والقاتمة على المرحلة القادمة في حال تولت القوى المدنية السلطة في نوفمبر القادم بعد انتهاء مدة قيادة البرهان والعسكر للمجلس السيادي.

وعلى الصعيد الموضوعي، جرت خلال الشهر الأخير حركة دبلوماسية وأمنية غير مسبوقة بين السودان والقوى الإقليمية والدولية، ومنها أولا زيارة الموفد الأميركي، جيفري فلتمان، السودان أكثر من مرة خلال الشهر الأخير للتمهيد للانقلاب، وآخرها زيارته يوم السبت الماضي التي انتهت بعد حدوث الانقلاب أمس الاثنين؛ ثانيا بين زياراته (فلتمان) للسودان، زارت وزيرة الشؤون الافريقية في الخارجية البريطانية فيكي فورد، السودان، يوم الثلاثاء الموافق 19 أكتوبر الحالي بذريعة تعزيز الشراكة بين البلدين، وحملت رسالة واضحة للقيادة العسكرية للحؤول دون وصول أي من قوى إعلان الحرية والتغيير للحكم، وتقديم رشوة للعسكر، ثالثا زيارة وفد عسكري وأمني سوداني رفيع المستوى بشكل سري يوم الجمعة الموافق 8 أكتوبر الحالي برئاسة الفريق عبد الرحيم دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع، وتحت إشراف الفريق أول ميرغني إدريس سليمان، مدير منظومة الصناعات الدفاعية لدولة إسرائيل، استمر لعدة ساعات، ثم غادر عائدا للخرطوم، وفق مصادر صحيفة "السوداني"، وذلك تعزيزا للعلاقات الثنائية بين السودان وإسرائيل، وكمقدمة لإعلان رسمي للتطبيع بين الدولتين؛ رابعا تحريض ودفع دول عربية من محور التطبيع المجاني العسكر لحسم العملية السياسية خشية حدوث تطورات في الإقليم قد تؤدي إلى تطورات غير محمودة.

هذه المعطيات شكلت الأرضية والمناخ الملائم لحدوث الانقلاب العسكري. وإذا جاز لي القول، إن خطيئة قوى إعلان الحرية بشقيها (أ وب) بالإضافة لتجمع المهنيين والشيوعيين، أنهم ركنوا لاعتقاد ساد بينهم، أن العسكر قد لا ينقلبون عليهم، وافترضوا أنهم سيلتزمون بالوثيقة الدستورية الموقعة بينهم. وتناسوا، أو نَسوا ان إسرائيل وأميركا وبريطانيا وعرب التطبيع جميعا لن يسمحوا لقوى الثورة بتولي الحكم، لأنهم خطر على المنظومة السياسية العربية المتشكلة حديثا والمرتبطة بالأجندة الصهيو- أميركية الأكثر فجورا في الاستسلام والتبعية.

من المؤكد أن تداعيات الانقلاب لم تنتهِ بعد، رغم سيطرة الجيش على مقاليد الأمور، وحل حكومة حمدوك، الموجود تحت الإقامة الجبرية في مكان غير معلوم، وتشكيل حكومة جديدة، لأن مدن وولايات السودان الشقيق شهدت نزول الجماهير الشعبية للشوارع تلبية لنداء قوى الثورة المختلفة رفضا للانقلاب وخيار العسكر، ورفضا للتطبيع مع إسرائيل، وتمسكا بخيار تسليم الحكم للمدنيين وتعزيزا لدولة المواطنة والديمقراطية. وبالتالي، من السابق لأوانه الاستنتاج القطعي في السيناريو المحتمل لتسيد المشهد السوداني.

لكن المؤكد أن السودان سيشهد اصطدامات حامية الوطيس بين العسكر والجماهير الشعبية وقواها الوطنية والقومية والديمقراطية، وسينجم عن ذلك اعتقالات غير مسبوقة للنخب السياسية والحزبية والمهنية بهدف تكميم الأفواه، وخنق الحريات، ومواصلة خيار التطبيع مع دولة الاستعمار الإسرائيلية، وسينزف دم سوداني في الشوارع والميادين دفاعا عن الحرية والاستقلال وأهداف ثورة ديسمبر 2018/ أبريل 2019 وللحؤول دون هيمنة العسكر على الحكم.

[email protected]