الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 تشرين الأول 2021

رسالة الى اخي نعيم تداعيات في الذكرى الأربعين لاستشهاده

حسان البلعاوي *

في الأول من حزيران من عام 1981، فقدت فلسطين واحداً من ألمع رجالاتها وأبرع سفرائها، نعيم خضر. الذي سقط شهيدا أمام منزله في العاصمة البلجيكية بروكسل وقد كان أول مدير مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في بروكسل منذ افتتاحه في عام 1975 وكان قبلها ممثلا لحركة فتح منذ عام 1969.

شكل نعيم ومعه جيل مِن سفراء لفلسطين، أمثال محمود الهمشري، وائل زعيتر، عز الدين القلق سعيد حمامي وغيرهم، ممن رحل أو بقي على قيد الحياة، مدرسة فريدة في العمل الدبلوماسي في أوروبا وفي ظل ظروف استثنائية صعبة، وكانت هذه الدبلوماسية المناضلة تستند إلى عمل نضالي دؤوب، محفوف بالمخاطر، وفي مقدمتها التصفية الجسدية، وإلى انتشار إعلامي وثقافي نشط في كل المنابر المتاحة في ظل سطوة شبه كاملة للنفوذ والرواية الإسرائيلية على مفاصل الحياة الثقافية والإعلامية في أوروبا. 

في ذكرى مرور أربعين عاما على استشهاده، أصدرت حديثا دار النشر البلجيكية SAMSA، كتابين باللغة الفرنسية عن مسيرة الشهيد نعيم خضر الأول بعنوان "نعيم خضر: مات من أجل فكرة، تاريخ فلسطيني (1939_1981)"، للصحفي البلجيكي الراحل Robert Verdussen والثاني بعنوان "رسالة إلى أخي نعيم" للبروفيسور بشارة خضر شقيق الشهيد.

في الصفحة الأخيرة لغلاف الكتاب تطرح دار النشر سؤالا "إلى متى يعود تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟ 3500 سنة قبل يسوع المسيح في أرض كنعان؟ 1896 مع إنشاء الحركة الصهيونية؟ 1948 متى أقيمت دولة إسرائيل؟ ما هي القضايا الدينية والسياسية والاقتصادية والجغرافية والثقافية لهذا الصراع؟

وتضيف "من خلال هذه السيرة الذاتية الرائعة والمتاحة للجميع، لرجل مميز، مقرب من ياسر عرفات، قائد منظمة التحرير الفلسطينية الذي كان ممثلًا لها في بلجيكا لمدة عشر سنوات، يجعلنا المؤلف نتوغل في الحياة اليومية لنعيم خضر، الذي اغتيل في بروكسل في 1 حزيران/يونيو 1981 (40 عامًا بالفعل!) لإرادته في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، وسعيه إلى المصالحة بينهم وبين الإسرائيليين، لإظهارهم أيضًا قيمًا أخلاقية وإنسانية مثل الحرية والعدالة والاحترام للآخرين، السلام".

وتشير إلى أن "أصالة هذه السيرة الذاتية - المكتملة بالملاحق والخرائط والملاحظات- تكمن في الشرح للقارئ، من خلال وقائع فترة أساسية، الأسئلة الجوهرية التي تُطرح، اليوم أكثر من أي وقت مضى، على الفلسطينيين. للإسرائيليين والعرب والغرب لرسم القضايا الحقيقية مثل نعيم خضر كان يعرف كيف يتعرف عليها ويشرحها ويقنع محاوريه حول العالم بمساعدة العديد من الأصدقاء والنشطاء والمسؤولين الذين وافقوا على تقديم شهادة عنه، بالإضافة إلى مقاربته التاريخية والسيرة الذاتية، يثني هذا الكتاب على الرجل الذي دفع حياته ثمناً لقناعاته والتزاماته التي تظل أكثر أهمية من أي وقت مضى".

الصحفي روبرت فيردوسن، عمل في جريدة La Libre Belgique اليومية، تابع الأحداث في الشرق الأوسط، منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 إلى اتفاقيات أوسلو وما أعقبها في التسعينيات، والتقى بالفاعلين الرئيسيين في هذه الأحداث، ومن بينهم ياسر عرفات، شمعون بيريس، أنور السادات، الملك حسين.. مثل كل الصحفيين الذين غطوا في بروكسل أخبار هذه المنطقة من العالم، كان على اتصال دائم مع نعيم خضر.

أما الكتاب الثاني بعنوان "رسالة إلى أخي نعيم" للبروفيسور بشارة خضر، فقد نشرت دار النشر على القسم الثاني من غلاف الكتاب البداية التي وضعها شقيق الشهيد حيث يقول "أخي العزيز، 40 سنة مرت بالفعل، وكان ذلك حدث بالأمس بالنسبة لي، حيث لا يزال وجهك يملأ عيني، في الأول من حزيران/يونيو 1981، سقطت تحت رصاص قاتل أمر به من أراد إسكات صوتك، صوت السلام، صوت فلسطين الشهيدة، التي كنت ممثلها الجدير في بروكسل. انكسرت في مقتبل العمر، أنت، الذي كان أعز أمنيته أن تموت شيخا في قريتنا الجميلة في فلسطين التي كنت تعتز بها كثيرًا".

وتضيف دار النشر "يوجه بشارة خضر اليوم هذه الرسالة الطويلة إلى شقيقه نعيم، يخبره خلالها بالأحداث التي وقعت منذ اختفائه، والطريق الذي قطعه، والآمال وخيبات الأمل، والمعارك، تجعلنا هذه الرسالة المؤثرة ندرك أنه كان هناك رجال ضحوا بحياتهم من أجل مثل أعلى، ومن واجبنا ألا ننساهم".

يذكر أن بشارة خضر ولد في فلسطين، وصل إلى بلجيكا عام 1965، وتابع دراسته الجامعية في جامعة لوفان الكاثوليكية (UCL). التحق بجامعة جونز هوبكنز في بولونيا بإيطاليا قبل أن يعود إلى جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس للحصول على الدكتوراة. ثم أستاذ مساعد في كلية العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة لندن منذ عام 1974، أسس ويدير في الكلية نفسها مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي المعاصر (CERMAC). يعطي العديد من المؤتمرات في جميع أنحاء العالم.

وقد ولد المناضل نعيم سليم خضر دعيبس (المشهور بنعيم خضر) في 30 كانون الأول عام 1939 في بلدة الزبابدة جنوب مدينة جنين.

ودرس خضر في مدرسة اللاتين في الزبابدة، والتحق بالمعهد الأكليركي في بيت جالا ودرس الفرنسية والإيطالية والإنجليزية وتابع الدروس الفلسفية واللاهوتية لمدة خمس سنوات بين 1958-1963.

والتحق بكلية الحقوق التابعة لجامعة لوفان عام 1966، وحصل على درجة الدكتوراة في الحقوق سنة 1969، ونال الدبلوم في علوم البلدان النامية، وفي السنة نفسها انتخب رئيسا لاتحاد الطلبة الأجانب بعدما كان رئيسا لاتحاد الطلبة العرب في جامعة لوفان.

وفي عام 1970 بدأ نعيم بالتخصص في القانون الدولي في جامعة بروكسل الحرة وكان يتابع دروسه وهو يقوم بأعمال مهمة كموظف في سفارة السعودية وفي مكتب الجامعة العربية في بلجيكا.

وانضم خضر إلى صفوف حركة فتح عام 1968 ووضع نفسه في خدمة منظمة التحرير الفلسطينية، وأصبح ممثلها الرسمي في بروكسل، وعُين مديرا لمكتب المنظمة في بروكسل بعد أن اعترفت الحكومة البلجيكية بمنظمة التحرير رسميا عام 1976.

كما سُمي سنة 1969 ممثلاً لحركة فتح في بروكسيل، وقد شارك في كثير من المؤتمرات العربية والدولية منها مؤتمرات الاتحاد البرلماني الدولي ومجالسه منذ عام 1975م وكذلك اجتماعات الحوار البرلماني العربي الأوروبي.

وكان عضواً بارزاً في لجنة الشؤون الخارجية للمجلس الوطني الفلسطيني، وعضواً في اتحاد المحامين الديمقراطيين في بلجيكا، وعضواً في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

ومن المهام التي أوكلتها منظمة التحرير الفلسطينية للشهيد نعيم خضر المشاركة في الكثير من جلسات مجلس الأمن الدولي والعديد من المحاضرات الدولية التي كانت تنظمها هيئة الأمم المتحدة وكان من عادته أن يعود مع وفد فلسطين وقد حقق نجاحات مهمة للمنظمة كالاعتراف الرسمي بمنظمة التحرير كعضو مستقل ضمن المجموعة الآسيوية وفي مجموعة الـ 77 (مجموعة دول عدم الانحياز).

كما لعب دوراً بارزاً في تقدم الحوار الأوروبي العربي من خلال عمله ونشاطه في بروكسل، حيث نجح في إقامة علاقات مع اللجنة التي تقود مجموعة الدول الأوروبية وخاصة مع كلود شيسون وجاستون ثورن، إذ كان يلتقي بهم وبالعديد من الشخصيات الأوروبية في لوكسمبورغ وستراسبورغ وفي البرلمان الأوروبي.

اغتيل خضر صباح يوم الاثنين بتاريخ 1/6/1981 في شارع سكاربيه وهو يخرج من منزله متوجها لعمله في شارع روزفلت في العاصمة البلجيكية بروكسل.

ونقل جثمان الشهيد نعيم خضر إلى بيروت حيث كان في استقباله في مطار بيروت الرئيس ياسر عرفات، والذي أطلق على خضر رسول فلسطين، وأقيم له مهرجان تأبيني، ومن ثم نقل إلى عمان حيث دفن فيها، لعدم موافقة السلطات الإسرائيلية على دفنه في مسقط رأسه في الزبابدة بناءً على وصيته.

ويحمل الشارع الذي كان يقطن به الشهيد اسمه اليوم وقد تم افتتاحه بشكل رسمي من قبل بلدية اكسيل، وهي إحدى بلديات بروكسل والمتوأمة مع قرية الزبابدة في فلسطين مسقط راس الشهيد.

* دبلوماسي فلسطيني في بلجيكا