الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 23 تشرين الأول 2021

مسرحية "لا غبار عليه".. سجينان وزنزانة وأمل يخشى أن يبدده الواقع ببشاعته

ميس عاصي

في قلب الوطن وعلى سياجه، في المنافي القريبة والبعيدة، لم يفقد الشعب العربي الفلسطيني إيمانه الراسخ بحقه في العودة، ولا إيمانه الصلب بحقه في الاستقلال، فلقد واصل نضاله الملحمي، وصاغت الإرادة الوطنية إطارها السياسي، منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.

بصوت يصدح في أرجاء المسرح تعود وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني،التي تمت في المجلس الوطني الفلسطيني "الدورة19" في الجزائر 15 نوفمبر 1988م.هذه الكلمات التي استقبل بها المسرح جمهوره ليبدأ معه رحلة العذاب الطويل.

بجمهور يتساءل طوال الوقت عن قلة الحضور، عرضت مسرحية "لا غبار عليه" للمرة الثانية في المسرح الوطني الفلسطيني"الحكواتي"، ورغم قلة عدد الجمهور والمقاعد الفارغة، عاشوا مع الممثلين الذين رسموا حركاتهم وأجسادهم تفاصيل هذه الزنزانة.يتسلل ضوء خافت يظهر من خلاله ظلال سجينين جالسين يسمعان صوت أحد أهالي الأسرى، منذ البداية تشعرُ بالصراع، فليس من السهل أن نجرد مشاعرنا عن واقعنا الفلسطيني، ومن هنا تبدأ الرحلة مع الجمهور ليعيش مع الأسيرين ادهم،الذي ادى دوره الممثل علاء ابو غربية، وزميله في الأسر رشيد، الذي ادى دوره الممثل محمد الباشا؛يوماً من ايام الأسر، من هم؟وماذا يفعلون؟  يرقصون بين اربعة جدران مع ضوء خافت يطل عليهم من نافذة صغيرة في باب السجن، كل ما لديهم هو أنفسهم عقلهم وأجسادهم، ضحكاتهم تبكينا، وبكاؤهم يضحكنا، وشر البلية ما يضحك.

تحكي المسرحية قصة سجينين يقاومان كآبة السجن ووحشة العزلة، إما باستعادة بعض وقائع الأيام الماضية وتحليلها والتعليق عليها، وعلى ما تمثله من قيم ودلالات، أو من خلال التدرب على أداء مسرحية «انتيغوني» للكاتب الإغريقي سوفوكليس.

"انتيغوني"..يقال إن هذا الاسم في اليونانية يعني «ضد» أو «معارض»، وهو يعود لاسم امرأة في الأساطير اليونانية القديمة ابنة الملك "اوديب"، والمسرحية هي للشاعر الإغريقي سوفوكليس، تعالج مسألة التمرد على نظام الحكم المستبد من خلال صراع بين «انتيغوني» المرأة التي ترفض قرار الملك «كريون» بعدم دفن أخيها، لأنه، حسب الملك، لا يستحق أن يعامل بكرامة ويدفن، كونه يمثل الشر، فيما يسمح بدفن أخيه الآخر الذي قتل معه لأنه يمثل الخير. كما تتطرق المسرحية لعلاقة الحب التي جمعت بين «انتيغوني» وابن الملك. تطرح هذه المسرحية قضية من أهم القضايا في تاريخ الإنسان:أين ينتهي حق الحاكم وأين يبدأ حق الشعب؟

بين الخيالوالواقع يعيش الجمهور مع مسرحية "لا غبار عليه" رحلة تتشابك في طياتها لتصفعنا في النهاية وتواجهنا بالواقع، من دون خوف، يحتد الصراع ليصل الى السؤال الرئيسي: من نحن في ظل هذا الإعصار المستمر؟ والكثير من الاسئلة الطبيعية تخرج بصوت معذب خجول غاضب لترافق الجمهور ويبقى صدى صوتها يتردد في كل الحواس: أين نحن من كل هذا؟

كان هناك إعداد واضح للنص من خلال المخرج والممثل والكاتب المسرحي كامل الباشا، وإسقاط مباشرلواقعنا الفلسطيني، وما أحوجنا دائماً لهذه الأعمال التي تحاكي إحدى أهم القضايا وهي قضية الأسرى، وقد اخذت مسرحية "لا غبار عليه" من النص الأصلي لمسرحية الجزيرة،وهي من تأليف آثول فوجارد،وتتحدث عن عقوبة السجن، والحرية ومعنى العدالة الذي استوحاها من مطلع سبعينيات القرن الماضي، من نص للشاعر الإغريقي سوفوكليس، وتحكي عن نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وقد كانت محظورة زمن الحكم العنصري في جنوب أفريقيا، كما تطرح قضية عقوبة السجن، والحرية، ومعنى العدالة، وتعتبر من أهم الأعمال التي تسلط الضوءعلى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. تدور أحداثها في السجن بين أسيرين، أحدهما سيتم إطلاق سراحه قريباً، والآخر محكوم عليه بالسجن مدى الحياة، يمضيان وقتهما نهاراً في العمل المرهق جسدياً، وعندما يحل المساء، يقومان بالتدريب والتحضير لعرض مسرحية «انتيغوني» لسوفوكليس داخل السجن. «أنتيغوني» التي تتحدى قوانين الدولة التي منعتها من دفن جثة أخيها، وحكم عليها بالموت عقاباً لها على الجريمة التي ارتكبتها.

في السجن، حيث يقبع جون وونستون، يحاول جون إقناع رفيقه في الزنزانة بتقديم مسرحية انتيغوني، لكنه يخاف من ردة الفعل، وكيف يقوم بأداء دور فتاة مع أنه رجل!

قام المخرج كامل الباشا بتغيير اسماء الشخصيات الى الأسير ادهم المحكوم 25 عاما في السجن،الذي يحاول أن يتأقلم دائماً ويتبع ويحترم ويؤمن فيما يقول له الأسير الثاني رشيد صاحب القيم والمبادئ، مازال يرى النور رغم سنوات السجن الطويلة التي عاشها، إلا أن الأمل مازال باقياً، كل منهما له تنظيمه، لكن الزنزانة تجمعهما، كما حاول المخرج كامل الباشا من خلال هذا العمل عكس تجربته في الأسر، فهو عاش تجربة السجن بعكس الممثلين الذين ابدعوا في تقمص الشخصيات، وقد عبروا عن مدى صعوبة الدور وخصوصيته، فالأزمة لا تنتهي ابداً حتى اثناء الضحك، كانت الكوميديا السوداء سيدة الموقف. طرحوا صعوبة الواقع في سجون الاحتلال قصة سجينين يعيشان كل يوم بيومه، ومع مرور الأيام، لا يصبح للوقت أهمية، حتى يأتي قرار الإفراج عن أسير واحد منهما في عملية تبادل للأسرى، وهنا يتأجج الصراع ليصبح بركاناً صامتاً يغلي في داخل أجسادهم،فهل يكون الحزن أم الفرح سيد الموقف؟

استوحى الباشااسم المسرحية من أغنية"رصيف المدينة"، كلمات الشاعر الراحل "حسين البرغوثي" تلحين الفنان والموسيقي"جميل السايح والرحالة"، وقد كانت الموسيقى ملائمة جدا مع العرض.

تفاعل الجمهور مع العرض بشكل واضح، وقد عبر أحد الحضور عن مدى إعجابه بالعرض قائلاً: "دائماً كنت اعتقد أن أصعب انواع العروض التي تتم بين شخصين، ولكن مع هذين الممثلين، فعلاً كان أداء رائعا، أعاداني فيه الى أيام العز". وأضاف: " كان تمثيلهما اقرب إلى الحقيقية رغم أنهما لم يذوقا مرارة السجن.. لكنهما استطاعا أن ينقلا معاناة الأسرى بفترة قصيرة جداً".

وقال أحد الحضور:"العمل جداً واقعي، طرحوا قضية الأسرى بصورة اكثر من رائعة، مزجوا بين معاناتهم بالسجن وحنينهم للوطن والأهل وتقصير السلطة والفصائل بحق الأسرى".

وقالتإحدى الشابات: "شعرت بفرحة كبيرة لأنه في الأونة الأخيرة أصبحت الحياة تقتصر على شاشات الهواتف او الكمبيوتر او التلفزيون، لم نعد متصلين مع الواقع، ومن خلال هذا العرض،أحسست حقا بمدى فرحتي في التواصل لمدة ساعة مع اشخاص حقيقيين بمشاعرهم واحاسيسهم طوال الوقت، شعرت بتغير عن كل يوم، والعرض كان رائعاً.كنت اشعر معهم وكأني في داخل الزنزانة. أشياء لم نكن نعرفها عن المساجين. من خلالهم تعرفت على تفاصيل لم اتوقع أن تكون بهذه الصورة والمشاعر، أتمنى أن يكون هناك عروض أخرى لأننا لم نكتف".

رغم قلة عدد الحضور الذي يلوم المسرح بشكل واضح على تقصيره في الإعلان عن العروض والأُمسيات التي تعرض في المكان، إلا أن المسرح لا يخلو من زواره في النهاية، ويسعى دائماً لعمل إنتاجات تعكس الواقع والشارع الفلسطيني الذي من دونه لا يوجد استمرارية لهذا المكان الذي يعاني من أزمات وضغوطات وصعوبات مختلفة، ومع ذلك يحاول أن يبقى على اتصال مع الشارع في إنتاجاته وعروضه المختلفة.

تم افتتاح عرض مسرحية "لاغبار عليه" على خشبة المسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي يومي الخميس والجمعة 14/15 من شهر اكتوبر، ويأمل جمهور المسرح ان يتم عمل جولة عروض قريبة للمسرحية.

 المسرحية إعداد نصوإخراج كامل الباشا، تمثيل علاء ابو غربية ومحمد الباشا، مخرج مساعد جورجينا عصفور،إضاءة وديكور وتقنيات: عماد سمارة ورمزي الشيخ قاسم،وإنتاج المسرح الوطني الفلسطيني "الحكواتي" 2021.