الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 حزيران 2015

عبق تراثي وثقافي رمضاني مميز

عزت ضراغمة

هنا قد تجد كل ما تريد وانت تقلع في ثنايا البلدة القديمة بنابلس، وهي شبيهة الى حد بعيد بتضاريس بلدة القدس القديمة والى حد ما نظيرتها في الخليل وبعض الشىء في بيت لحم وبيت جالا، وفي التفاصيل حدث ولا حرج، فكل الباعة دمثون وكل التجار حتى بائع العرق سوس والتمر هندي يجبرونك على التوقف والتأمل حتى وان لم تسر بالهم بالشراء منهم، ثقافة وتراث ترفض الانسلاخ عن الجذور لتغتسل بمياه صحية مكررة، كون آبار البلدات القديمة لها حكايات وربما اهازيج تفوح اكثر ما تفوح بمثل هذه الايام من كل عام، لتشكل خليط كل المنتجات الغذائية والتموينية من حلويات ومأكولات شعبية تزيدك اصرارا على التشبث بالماضي السعيد كما كانت تقول شاعرة نابلس وفلسطين المرحومة فدوى طوقان.

وكما هي سعاف النخل في نابلس ترمز للمحبة والعطاء والتواصل والرحمة، فان المتلمس للتقرب من الله في مساجد ومصليات بلدة نابلس القديمة وبالذات حي الياسمينة، يتخيل فؤاده يسابق الريح وهو ينتقل من شارع الى آخر وصولا لاحد ابواب المسجد الاقصى سواء من ناحية باب المغاربة او باب حطة.. واذا كانت المسافة من نابلس الى القدس لا تزيد عنها من الخليل الى مسرى النبي والفؤاد، فان رحلة المستجم الباحث عن صفوة للروح وخلوة مع الذات تستفزك وتأخذ منك ربما اكثر من ساعات حتى يفاجئك عالم الزمن باقتراب قول الله اكبر.

تراث لغته الثقافية والادبية ازقة وتراتيل ومدائح وعبق يذري النسائم على العشاق والهائمين بنظراتهم نحو السماء، ازياء وبسطات ومعامل معتقة بعشرات السنين وصدى الاكف التي تقالبت عليها لتنتج لأبنائنا ما لذ وطاب من اشهى ما يفتح الشهية ويدفعك لانتظار مدفع رمضان او اذان الافطار على احر من الجمر.

هناك كل ما يخطر ببالك من مأكل وملبس وحتى الحكي والكلام، رؤوس ما زالت تعتمر اللفة العثمانية القديمة، وآخرون الطاقية الشامية ونفر ليسوا باقل الكوفية الفلسطينية، سراويلهم وقمبازاتهم وحتى دشاديشهم لم تخالط اجسادنا او تقترب منها يوما.. نتمنى ان نلعق من هذا التراث اليسير مما نشتهي، حتى رائحة زيت " التمرية " والمهلبية ولقمة العريس وفتة الحمص التي تختلف عما نعرفها، قد نكون نعرف كل ذلك لكني اشك لان ما نعرفه هو مجرد تقليد او تزوير لما يستفز نشوتك به عبق التراث والثقافة الرمضاني المميز.

وهناك ايضا مصاطب العلم والادب وتجمعات على شكل حلقات للذكر والفقه، واكثر من ذلك الحمامات التركية التي لا ينصحك العارفون بأمرها ان تقترب منها ما دمت صائما، ليس لشيء وانما لأن ضغط الدم وصحة الصائم لا تحتمل الحرارة والبخار الزائد، وكذلك البخور وروائح العطور اللطيفة الخفيفة..

وقبل رحيل الشمس بقليل حيث تغص المتنزهات بعشاق الطبيعة والهواء الندي، تجد مفارش كثيرة تتزاحم بين الاشجار وفي الساحات مزدانة بكل ما لذ وطاب من اكل ومشرب بانتظار الاذن الالهي بالافطار.