الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 تشرين الأول 2021

قلق مزمن.. وأمل لا يخبو

شرفة الحياة- فتحي البس

يعيش الفلسطيني في الوطن والشتات قلقاً مزمنا يتعايش معه بأملٍ لا يخبو.
في الوطن يعيش قلق كل يوم منذ بدء تطبيق سايكس بيكو وتنفيذ وعد بلفور، ونجاح الحركة الصهيونية بإقامة دولة إسرائيل عام 1948، ونجاحها في احتلال بقية فلسطين وأراضٍ عربية عام 1967. توحّش الاحتلال الاسرائيلي في اجراءاته ضد كل أبناء الشعب بين النهر والبحر لأنه رغم كل هذه السنين لم يطمئن يوما إلى قدرته على إتمام مشروعه أو تثبيت احتلاله وما زال يبحث في سؤال الوجود في إقليم يرفضه ويتحداه ويصيبه بين فينة وأخرى بجراح عميقة لا تلتئم، فيتوحش أكثر.
في الوطن يدفع شعبنا الفلسطيني ثمن تمسكه بالأرض والهوية، ولا داعي لسرد يوميات عذابه وخسائره وأوجاعه منذ أكثر من مئة عام، فكل يوم تفصلها نشرات الأخبار وتنشرها مواقع التواصل الاجتماعي، يقتله ألف مرة صمت العالم، القريب والبعيد، وتغيظه بيانات الدعم والمساندة الخالية من الفعل، ويفاقم آلامه، فجور التطبيع واحتفالات بعض العرب بعلاقة تبدو حميمية وكأنها قديمة قدم الزمن الغابر، وكأن ما بينهم وبين الصهاينة تواطؤ على قتل الروح عندما يتساءل الفلسطيني الصامد لماذا؟ فلا يجد جوابا سوى أنه ورقة تستخدم في صراع محلي بين سياسيين يتوقون للسلطة أو دول خائفة، تجد الأمان الموهوم بالعلاقة مع الوحش، فتوهم بعض أفراد وجماعات من شعوبها أن في هذا خلاصهم، فيتفنن بعض الأذناب في شيطنة الفلسطيني، حيثما كان، ومهما كان موقفه.
في الشتات، يعيش الفلسطيني قلقه الدائم على أحوال شعبه تحت الاحتلال، وفي نفس الوقت يعيش قلق تدبير شؤون حياته اليومية وتأمين لقمة العيش، والأخطر يعيش أزمات الدول التي يعيش فيها، والصراعات الدامية بين أحزابها وقواها، وسواء كان مواطنا عاديا أو عضوا في تنظيم سياسي، يجد نفسه في أتون نار الصراع، إن عبر عن رأيه، أو دعم فريقا أو حزبا فهو مدان، وإن تجنب اتخاذ موقف وأراد أن يعيش في سلام، فإنه لا يستطيع ولا يترك لشأنه لأنه ببساطة فلسطيني الأصل، رغم أنه لم يعرف فلسطين جغرافيا وإنما تعيش معه ضميراً وشوقاً وحنيناً وتوقاً للعودة.
يقلق من موقف أو تصريح لسياسيٍّ فلسطيني، فهذا كفيل بتهديد حياته والإلقاء به إلى مصير مجهول، ولا يشفع له أنه لا يتفق مع هذا التصريح أو الموقف، ولا حتى صمته وولاؤه التام والمطلق للبلد الذي يعيش فيه، ولرب العمل الذي يخدمه بصدق وإخلاص، فيستبد به القلق حتى لو لم يتخذ بحقه اجراء ما، فمثل هذه الإجراءات عمياء وقد تصيبه بطرق مختلفة في وقت لاحق. ولا فرق بين غني أو فقير، قلق الاستقرار واستمرار العيش الهادئ يصاحبه دائما، يبحث باستمرار عن تحقيقه، ويتأمل أفراد أسرته، ويحزن أنه لا يضمن لهم أبداً هذا الاستقرار، فيطرق من يستطيع منهم أبواب الهجرة، لكنه حتى إن ذهب إلى أبعد نقطة في العالم، يلازمه هذا القلق.
في مقابل هذا القلق المزمن، يعيش الفلسطيني دائما بالأمل. في الوطن، الصمود الأسطوري والبطولات اليومية تجعله يثق بأن المستقبل له وأنه سيتحرر، وأن الدم المبذول دفاعا عن الأرض يروي شجرة الحرية التي ستتحقق مهما طال الزمن، وأن جراحه النازفة ستندمل لأنها مشاعل تضيء دربا طويلا تقود حتما إلى زوال وحشية المحتل لأنها قطعا ستهز أيضا ضمير أحرار العالم، وستجبر أنصار المحتل على مواجهة السؤال وماذا بعد؟ كيف يستطيعون الاستمرار في ضخ أكسجين الحياة في جسد آخر احتلال على وجه الأرض يتناقض مع كل القيم والأخلاق التي يتباهون بأنهم أصحابها وداعموها.
وفي الشتات، يحكمهم دائما الأمل، بأن يصحو من يضطهدونهم ويبحثون عن حلول لمشاكلهم وأمنهم دون زجهم في معاركهم أو اتهامهم بأنهم سبب ما يتعرضون له من متاعب ومعاناة اقتصادية وسياسية، فيجدونها في مكانها الصحيح، صراعات ليست لها علاقة بوجود الفلسطيني بينهم، إنها ناتجة عن الاحتلال لفلسطين، الذي كشف عورات الأنظمة وفساد التدبير وخطر السياسات التي تضمن للجميع السلامة.
الفلسطينيون محكومون بالأمل، وسبيلهم كظم الغيظ حيث يجب، والمقاومة حيث استطاعوا، وبناء القدرات بالعلم والمعرفة حيثما كانوا، وشبه اليقين أن العالم يتغيّر، ونحو الأفضل، فيظل الأمل متقدا ولا يخبو ابدا.