الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 تشرين الأول 2021

الترجمة إلى الضفة الأخرى!

تغريدة الصباح - حسن حميد*

من المؤرقات الثقال للأديب، والفنان، والمثقف أن تبقى الفذاذات الإبداعية في مكانها، رهينة للغة الواحدة، والحيز الواحد، والمعنى الواحد أيضا. أي أن تبقى الآداب والفنون السامية المتطلعة إلى القيم النايفات رهينة اللغات التي كتبت بها، ورهينة الأمكنة التي عرفتها، ورهينة الأيدي التي صاغتها فحسب! لأن هذه الآداب والفنون،وفي مثل هذه الحال،تغدو مثل حديث عائلي متداول داخل البيوت، فلا تعرف البيوت الأخرى ما فيه من جماليات، وعذابات، وهموم، وغموم، وأحلام!
أقول هذا لأنني أرى الآداب والفنون الفلسطينية التي تدور حول المعاني السامية، منذ مئة سنة وأزيد، لتكون ثبتا في الحضور في مسارات الشخصية الفلسطينية التي وقفت أمام المرآة الحضارية طويلا من أجل المزيد من المضايفات الدالة على العبقرية والفذاذة!
هذه الآداب والفنون الفلسطينية محتشدة بمنظومة هائلة من القيم ذات الجماليات المشدودة إلى الحرية، والسلام، والعمران، والجمال، والكبرياء، ولاسيما مواجهتها لهذا الظلموت الإسرائيلي البشع الأسود الذي تعرض له المكان الفلسطيني فاغتصب، والذي تعرضت له الشخصية الفلسطينية فعاشت حياة السجون وعسفها داخل الزنارين وخارجها، والذي تعرضت له الحياة الفلسطينية فصارت عذابا وشقاء وإهانات داخل القرى والمدن، لا بل باتت الحياة الفلسطينية أشبه بالعالم السفلي لأن الظلموت الإسرائيلي يريد، ومنذ عام 1948، إماتة الحياة الفلسطينية، وبث ثقافة الإخافة في انساغها كلها، لكن وفي داخل هذه الآداب والفنون الفلسطينية، تربخ الحياة القائمة على التضحية والفداء ومواجهة النقيض المحتل من جهة،وعشق الجمال والسلام والأمن والحرية من جهة أخرى، وكلاهما، مواجهة المحتل النقيض،وعشق الحياة والجمال.. يؤمنانيقينا بالوطن كتابا لا بديل عنه، وأرضا لا بديل لها، ومعنى لا يساويه معنى آخر. ولهذا، وبسبب هذا الغنى والجمال والتضحيات الجسام، لا بد لهذه الآداب والفنون الفلسطينية من أن تتجلى أهمياتها وقولاتها ومعانيها وجمالياتها وقيمها النبيلةفي اللغات العالمية عن طريق الترجمة! فلا سبيل غير الترجمة للتعريف بهذا الإبداع الفلسطيني الذي صاغته الأيدي والعقول بذوب الأرواح تضحيات وبطولات وأحاديث وأخبارا عن تاريخنا الوطني الممتد غورا وبعيدا كالجذور، وعن اشتقاقات شخصيتنا الحضارية التي بنت وعمرت الأرض، وأنسنت الأنهار والبحيرات والأبحار والغابات والأودية، وعن قيمنا وعقائدنا التي جعلت فضاءات العقيدة قناديل وشموعا وابتهالات ورجاءات تدور حول المعاني الخالدة دوران النحل حول الأزاهير، وعن حقنا في الحياة، في وطن الأجداد والآباء، وطن الكتب والمدارس، وطن الفنون والبراعات البكر.
إنني أدعو، وبالوضوح الكلي، إلى تفعيل دور الترجمة، ولا سيما الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات العالمية ليعرف أهلها أي شعب هذا هو الشعب الفلسطيني، وأي تاريخ حضاري وعمراني وإنساني هو تاريخه، وأي مكان عزيز هو الوطن الفلسطيني الذي ظل وسيبقى فلسطينيا على الرغم من توالي الغزوات والحروب فوق أرضه،لقد جاءتهجيوش جرارة عطشى للدموية والبطش والوحشية ومن جميع أنحاء الدنيا واحتلته، لكنها رحلت، وبقي المكان الفلسطيني وطنا وديارا للفلسطينيين، ولعل الصورة الأقرب هي حروب الفرنجة التي دارت فوق ترابه، والقلاع التي بنيت فوق أرضه، لكن وبعد مواجهات استمرت (200) سنة، رحل الغزاة، وهدمت القلاع، وتعالت قولات الأهلين: بلادي.. بلادي، وكذلك كانت حال الانكليز الذين رحلوا أيضا،وهذه الصورة بادية اليوم أمام الظلموت الإسرائيلي، وهي أشد ما يخيف الإسرائيليينلأن التاريخ مرآة وفيها يرى الإسرائيلي نفسه لصا، وسوف يرحل مغادرا مهزوما لا بد! وفي المرآة نفسها يرى الفلسطيني نفسه، وبعد التضحيات الباسلات، هوالباقي لأنه هو من كتب تاريخ النبل والكبرياء لهذه البلاد، وهو من سطر ملاحم المواجهة الحقة ما بين الجلاد والضحية، والقبح والجمال، والظلمة والنورانية.
آداب فلسطينية كثيرة جديرة بأن تعرف في اللغات العالمية كي يعرف أهل هذه اللغات أي زمن طويل من الفداء كتبه وعاشه الفلسطينيون بكل اختناقاته وعبوسه،ولم يقولوا قولة استسلام واحدة، ولو على شكل أنين أو توجع؛ قصائدإبراهيمطوقان، وأبو سلمى، وحنا أبو حنا، وعلي الخليلي، ويوسف الخطيب، وكمال ناصر، ومحمد القيسي، وخالد أبو خالد، وأحمد دحبور، ومحمود درويش، وحسين البرغوثي، وعبد اللطيف عقل، وتوفيق زياد، وراشد حسين، وصالح هواري، وسميح القاسم، وعلي فودة، وعز الدين المناصرة، ويوسف عبد العزيز، وغسان زقطان، ومراد السوداني، وطه محمد علي، وشكيب جهشان،وسليمان دغش،وشفيق حبيب، والمتوكل طه.. إلخ جديرة بأن تعرف طريقها إلى اللغات العالمية لأن فيها نشيد أهل فلسطينالصادح في رحاب السماء: بلادي.. بلادي.
وآداب رفيعة بانتسابها للفن الجميل مثل روايات وقصص: خليل بيدس، ويوحنا خليل دكرت، وخليل السكاكيني، وموسى اسحق الحسيني، وصدقي الدجاني، وسميرة عزام، وغسان كنفاني، وأميل حبيبي، وتوفيق فياض، وجبرا إبراهيمجبرا، ومحمود شقير، وخليل السواحري، ونجوى فرح قعوار، وأمين شنار، ونبيل خوري، ووليد أبو بكر، ويحيى يخلف، وأكرم هنية، ورشاد أبو شاور، وأحمد حرب، ومحمد علي طه، وفيصل حوراني، وجميل السلحوت، وعبد الله تايه، وغريب عسقلاني، ومحمد نفاع، وزكي درويش، وماجد أبو غوش، وسهيل كيوان، وديمه السمان، وليانة بدر، وليلى الأطرش، وسحر خليفة، وإبراهيمالسعافين، ووليد الشرفا،.. إلخ لهي جديرة بالترجمة أيضا للغات العالمية.. كي يعرف الآخرون بهرة الجمال والمعاني في هذه الآداب، وأنها بهرة عصية على كل ظلمة أو تغييب!
إن ترجمة الآداب والفنون الفلسطينية ونقلها إلى العالم، مسألة وطنية تكاد توازي في أهميتها شواغل أحلامنا مجتمعة لأنها ستجعل العالم يسقط في يده حيرة وندما وارتباكا، ويعي أي ظلم فادح وقع على رأس الفلسطيني، ومازال يقع منذ مئة سنة وأزيد، فهل نعي نحن أهميةهذه الترجمة والمناقلة والأدوار التي ستلعبها في تغيير وجهات النظر العالمية تجاه قضيتنا، ثم متى نبدأ في تفعيل أنساق الترجمة لنرى مواسمها الشارقات ؟!
----------------
كاتب فلسطيني في دمشق
[email protected]