الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 حزيران 2015

إرهاب وبيئات منتجة وحاضنة

عدلي صادق

استقل المعتوه طائرة من الرياض الى الكويت، ثم توجه من المطار فوراً، الى مكان فيه تكفيريون من أمثاله، زودوه بحزام ناسف أو فخخوه، ثم قَصد في الحال، منطقة تُدعى "الصوابر" لكي يفجر نفسه في مسجد لمواطنين كويتيين عرب، من الطائفة الشيعية، وينفذ جريمة بشعة يُقتل فيها أبرياء!

ما اتضح من خيوط الجريمة، يثير العجب فعلاً. فنحن بصدد أناس لديهم متفجرات، يخشون على أرواحهم وأبدانهم منها. وفي هذه الحالة، ربما يكون الأنسب تفخيخ حمار، لكن طبيعة الهدف، لن تتيح للحمار الدخول الى مسجد. لذا استدعى الأوغاد حماراً في إهاب إنسان. جاءهم من بلد شقيق آخر، كأنه خبير في الذرّة، أو جالب إناء المياه للظمأى في الصحراء، أو كأنه محرر الماجدات من أسر الفرنجة أو المغول. فمن خلال شريط كاميرا المراقبة، شوهد المعتوه الذي فعلها في الكويت، يمشي بهمة عالية متوجها الى باب المسجد. حركة قدميه، فيما هو يحث الخطى، لا بد أنها أبعدت الشكوك، لأنها شبيهة بحركة أقدام الممرضين عندما يحثون الخطى في العنابر، لاستباق انهيار في صحة انسان أو لتضميد جراح. وربما رأى  آخرون مشيته المتعجلة، ما ينم عن تعجل التقي الورع، لكي يلحق الإمام قبل الركوع. فلا يمكن أن يتصور إنسان، أن مخلوقاً يحث الخطى الى المسجد، لكي يفجر نفسه!

صحيح إننا هنا بصدد بشر تختلط في أعمالهم كل عناصر الفجور في الإجرام والتعدي، مع الغباء الفادح الذي أنتج استهتارهم بأنفسهم وبالروح الإنسانية وبمصائر الأوطان وبوئام الشعوب وبنواميس الحياة؛ لكن الصحيح أيضاً أن ما يفعله هؤلاء القتلة، هو نتاج نواقص أو أخطاء في مجتمعات ومن سلطات، لم تُعن بتكريس منظومات تعليم حداثية جيدة، ولا أتاحت للثقافة وللحوار مجالاً للتنوع، ولا لتطوير الأنماط القيمية والسلوكية على النحو الذي يعزز فكرة التسامح وتقبل الآخر ويُعلي من شأن المصالح العليا للوطن، ولا - بالطبع - أعلي من شأن العدالة والمواطنة.

كثيرون هم المستعدون للموت بتفجير أنفسهم في الناس، مثلما فعل "القبّاع" في جريمة الكويت. فالقبّاعون على قناعة، بأنهم ينتقلون بفتاوى من فقهاء وأمراء السوء،  من دار الممر الى دار المستقر، وأن الجنة في انتظارهم. ومن خلال رصد ردود الأفعال الدولية، على عمليات هؤلاء الإرهابية، وممارساتهم في الحرب؛ نلاحظ أن أهم وأوضح ما يُقال للعرب هو "إن هذه مشكلتكم وبضاعتكم رُدت اليكم، وحذار أن تلسعنا نارها". لكن داعش، التي باتت تمثل خطراً على الأمم؛ ضربت في اليوم نفسه، في مدينة ليون الفرنسية وضربت السائحين في "سوسة" التونسية. ويصح  القول، بسبب تمدد داعش بدل انهيارها وهي تتلقى ضربات أربعين دولة شنت الحرب عليها (بدءاً من 19/9/2014)  إن هذه الداعش، لم تكن  ستصمد، لو لم تجد بيئات حاضنة ترعاها وتتعاطف معها سراً وعلانية. ففضلاً عن التسليح والتمويل هناك ما يثير الأسئلة حول قدرة هذه الفئة، على السيطرة على مساحات شاسعة مأهولة، وأن تجري اتصالاتها مع من يبايعونها في العالم. لا شك أن ثمة مشكلة مركبة وبنيوية خطيرة في المجتمعات العربية، تفسر هذا النمو السرطاني للدواعش، ثم لا بد من فهم أعمق لكل أسباب وجود البيئات الحاضنة، توطئة لتجاوز المصيبة، بحيث لا تكون هناك اية بيئة، قابلة أو مستعدة لأن تحتضن الآثمين الذين يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق. ذلك مع التنويه، الى أن البيئات الحاضنة، تحتضن بتأثير مظلوميات أطراف وبيئات الضد، وبالتالي ليست المشكلة محصورة في مذهب أو في بلد.