الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 تشرين الأول 2021

في .. الحياة الجديدة!

تغريدة الصباح - حسن حميد *

يا إلهي،

أي بهجة تشيل بي كي أرافق نصي في العودة إلى البلاد العزيزة، وكي أعانق حلمي الذي عشته هاتفا في صحوي ومنامي: بلادي، بلادي!

ها هي المحبة تقيض لي للمرة الأولى، أن أطل من شباك عزيز على ما تاقت نفسي إلى رؤيته وعيشه والجلوس في ظلاله المديدات، هو شباك مضيء ضاف في الغراء – الحياة الجديدة- جريدة البلاد العزيزة ومرآتها الأجلى، لأكون بين أهلي رعاة الصحو، سادة المعنى، بناة الآتي، هم يتحدثون وأنا أصغي، وهم ينثرون الخُطا، وأنا أرى، وهم يقرؤون وأنا أتذوق طعوم الحبر المضيء.

ها هي الفرصة الذهبية تسقط بين يدي كريمة مثل سقوط الثلج هونا آبدا، وفيها تربخ المعاني الثقال، أن تقرأ أسطري في ضوء نهارات رام الله والقدس والخليل وأريحا وطبريا والناصرة، وضوء المخيمات العطشى لمتممات الحلم، وضوء الورق الراهج من دون سلالم أو أدراج، ومن دون المناولة بسلال الآخرين.

ها هم أهلي، وبمحبتهم الوافية، يأخذونني إلى صدورهم، وقد حلمت بهذا طويلا كيما يدفنوا حياة العماء في المنافي، وأسئلة العطش والحُرقة التي استنبتتها أيدي المنافي، فأدمت المدمى، وشظت الأحزان حتى صارت هي الحياة أو كادت.

ها أنذا، وعبر أسطري التي ترونها، أبللُ روحي بالمحبة التي ساهرتها طويلا، وواقفتها أمام مرايا النصوص طويلا، كي أبدو أمامكم، وبقامتي التامة، بعد أن حنتني الأيام الحرون، مثل غيري، على أوتاد الخيمة قُبيل كل غروب كي نمكنها من الثبات مسافةَ ليلةٍ لا أكثر، كي نقر في الخيمة التي لا أبواب لها، ولا شبابيك، ولا جدران، ولا سقف، ولا فتحة دائرية صغيرة كي يخرج دخان الأرواح والذكريات الأليمة، كي نقر في الخيمة فنقرأ قصيد إبراهيم طوقان، وقصص خليل بيدس، وننشد ما زكته ذائقة نوح إبراهيم، وكي نمر بتاريخ محمد جمجوم، وعطا الزير، وفؤاد حجازي، وكي نغور في تضاريس يعبد وأحراشها، والقسطل وصمودها، وكي نتنفس شهقات من الصهد والحرور والدمع وقد راحت دير ياسين، وقلقيلية، والطنطورة، وكفر قاسم، وقبية، ونحالين، تمر بنا.. هي تغصُ ونحن نغص، وكي نواقف أبواب القدس النداهة، ونجالس عتبات القيامة المباركة، كي نجالس الخبازات، صاحبات النذور، في غبشة الفجر وقد تعالت رائحة فطائر السبانخ، والحميضة، والقريش، غيوما في رحابة السماء وكي نقف تحت قنطرة قوس قزح .. من جسر بنات يعقوب إلى أم الرشراش.

ها أنذا، وبعد مرور السنوات الطوال، أقول لوالدي الشهيد، المتلبث قليلا في مقبرة شهداء المخيم: لقد عدتُ يا أبي إلى أهلي، إلى كراد البقارة، إلى البئر التي حفرتها، وإلى الدلو النحاسي غارفِ الماء الفضي، إلى حبل الليف المتين، إلى الحاكورة ! ها هي الحاكورة يا أبي، وهذا سياج عليقها التوتي، وهذه هي العريشة، عريشة القصب، كل شيء في مكانه، يا أبي، عدا الثمار لقد أخذوها، فهذه طبائعهم، تماما كما وصفتها لنا.

ها أنذا، هنا، جئتُ كي أتقفى حلمي وأسطري .. كي أرى خوابي الحنين المترعات، الخوابي الكبيرة التي جئت بها من أريحا، وكي أملح روحي بملح بحر أريحا الأزرق! يا آه كم حدثتنا عن أريحا وطبريا ونابلس والقدس ورام الله، يا أبي.

أبي، لعلك تسمعني، أنا هنا، في رام الله..

أنا هنا في الحياة الجديدة، يا أبي!

فباركني.. أرجوك!

----------------

* كاتب فلسطيني مقيم في دمشق

[email protected]