الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 27 أيلول 2021

الأردن من الامارة إلى المملكة .. هاشمية سليلة وعروبة أصيلة

بمناسبة مئوية الدولة الأردنية ...

 سفير المملكة لدى دولة فلسطين محمد أبو وندي: بعد ١٠٠ عام على تأسيس الدولة . . الأردنيون يزدادون فخراً بقيادتهم الهاشمية المستنيرة
أبووندي: الأردنيون يفخرون بما حققه آباؤهم وأجدادهم من انجازات في الأردن على مدار ١٠٠ عام في ظل القيادة الهاشمية 
أبو وندي: المملكة بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ستبقى دوماً السند والظهير للأشقاء الفلسطينيين حتى نيل حقوقهم الوطنية المشروعة كاملةً غير منقوصة
أبو وندي: لا أمن ولا استقرار في المنطقة والعالم ما لم يتم الاعتراف بالحقوق المشروعة لأبناء الشعب الفلسطيني وعلى رأسها حقهم في تقرير المصير وتجسيد الاستقلال بإنهاء الاحتلال   
أبو وندي: القيادة الهاشمية والقوات المسلحة الأردنية هما حماة الاستقلال ولهما مكانة خاصة في وجدان الأردنيين ووعيهم ‏


رام الله - الحياة الجديدة - أكد سفير المملكة الأردنية الهاشمية لدى دولة فلسطين محمد أبو وندي ‏موقف الأردن الثابت في دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة ‏وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وقال ‏في لقاء مع عدد من رؤساء تحرير الصحف الفلسطينية والمديرة العامة لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)  في مقر السفارة في رام الله بمناسبة الذكرى المئوية ‏لإقامة الدولة الأردنية، إن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للمملكة، وانه لا ‏أمن ولا استقرار في المنطقة دون إيجاد حل عادل لقضية فلسطين على أساس حل الدولتين ووفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، التي تؤكد جميعها ‏الثوابت الوطنية الفلسطينية. وأضاف أن قضية القدس والمقدسات الإسلامية ‏والمسيحية في المدينة هي على رأس أولويات جلالة الملك عبد الله الثاني، وان فلسطين والأردن هما ‏توأمان وان العلاقات التاريخية بينهما هي علاقات أخوة ودم ومصير مشترك، وأشار الى ما قدمته  القوات ‏المسلحة الاردنية/ الجيش العربي من تضحيات على تراب فلسطين، وتحدث عن احترام الشعب الفلسطيني لشهداء ‏ القوات المسلحة الأردنية/ الجيش العربي الذين استشهدوا دفاعا عن فلسطين والعناية الكبير بأضرحة وقبور الشهداء والنصب التذكارية التي أقيمت تكريماً لهم على امتداد الأرض الفلسطينية. ‏وأكد على دور الجيش الأردني في حماية المملكة والدفاع عنها، كما تحدث عن ‏التطورات التي حدثت في الاردن على كافة الأصعدة الصحية والتعليمية والصناعية ‏والثقافية، ووحدة الشعب الأردني والتفافه حول القيادة الهاشمية الحكيمة والتي حققت ‏للبلاد الكثير من المنجزات التي يفتخر بها الشعب الأردني.‏
وتناول السفير أبووندي التطورات التي شهدها الأردن الشقيق منذ عام ١٩٢١ ، أي منذ تأسيس ‏إمارة شرق الأردن مرورا بإعلان الاستقلال عام ١٩٤٦، والى يومنا هذا.‏

عن الأردن ..
تتوسطُ المملكة الأردنية الهاشمية قلبَ الوطن العربي جغرافياً، لتظلّ على مدى التاريخ حلقةَ وصل حيوية بين مَواطن الحضارات ‏في الشرق والغرب، وهي دولة عربية إسلامية تستند إلى نهج الوسطية والديمقراطية والمؤسسية.‏
شهد عام 1921، إعلان الأمير عبدالله بن الحسين، طيب الله ثراه، تأسيس إمارة شرق الأردن، والتي أُعلن استقلالها في 25 ‏أيار 1946 تحت اسم "المملكة الأردنية الهاشمية"، وأصبح جلالة الملك المؤسس عبدالله (الأول) بن الحسين ملكاً دستورياً ‏عليها.‏
وكان الأردن من الدول المؤسِّسة لجامعة الدول العربية في عام 1945، وانضمّ إلى الأمم المتحدة في عام 1955.‏
ونظام الحكم في المملكة الأردنية الهاشمية نيابيّ ملكيّ وراثيّ، وقد اعتلى جلالة الملك عبد الله الثاني عرش المملكة، منذ 7 شباط ‏‏1999، بعد أن أعلن بقَسَمه أمام مجلس الأمة العهدَ الرابع للمملكة، التي كان تأسيسها على يد الملك المؤسس عبدالله بن ‏الحسين، وصاغ دستورَها جدُّه الملك طلال، ووطّد أركانَها والدُه الملك الباني الحسين، طيب الله ثراهم.‏
وترتكز المنطلقات السياسية والفكرية للدولة الأردنية على العقيدة الإسلامية، والدستور، والشرعية الدينية والتاريخية للقيادة ‏الهاشمية، وشرعية الإنجاز، والوسطية، والاعتدال، والديمقراطية، والتسامح، ومبادئ الثورة العربية الكبرى (1916) التي ‏جاءت بقيادة الشريف الحسين بن علي، طيب الله ثراه، وأنجاله، تتويجاً لحركة الوعي واليقظة العربية، والتي أخذت تتّضح ‏ملامحها وتتبلور في المشرق العربي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ضد سياسة الاستبداد والتتريك والتعنُّت العثمانية.‏

      تاريخ الهاشميين ..
تنتسب الأسرةُ الهاشمية إلى هاشم، جدّ النبي محمد صلّى الله عليه وسلم، من قبيلة قريش في مكة المكرمة. وآل هاشم هم أحفاد ‏النبي محمّد من ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها وزوجِها الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، رابع الخلفاء الراشدين.‏
لقد احتفظ بنو هاشم بريادة السلالة القرشية، وظلّوا يمثِّلون طليعة المجتمع في الحجاز، بوصفهم صفوة أخلاقية وأهل الإدارة ‏السياسية والاقتصادية، وحظوا بتقدير زوار البيت الحرام واحترامهم. وفي التاريخ الحديث، قاد الهاشميون ثورة العرب نحو بناء ‏الدولة الموحَّدة، حيث شكّل إطلاق رصاصة الثورة العربية الكبرى عام 1916 الخطوة الأولى لنيل الاستقلال.‏

تأسيس الدولة ..
بعد وصول الأمير عبدالله الى عمّان قادماً من معان، شرع بإقامة نظام سياسي وحكم مركزي، وشدّد على تكريس المطلب العربي ‏بضرورة الاستقلال وتأكيد استمرارية النهج الثوري العربي النهضوي، الذي جاءت به الثورة العربية، وكان عليه أن يواجه في ‏سبيل ذلك الصعابَ والتحديات.‏
وخلال فترة حكم الأمير عبدالله بن الحسين، شهدت إمارة شرق الأردن إنجازات ومحطات مهمة في تاريخها، كان أبرزها تحقيق ‏الاعتراف السياسي الدولي، وإصدار القانون الأساسي سنة 1928 -كأوّل دستور للإمارة- مع توقيع اتفاقية دولية هي المعاهدة ‏الأردنية البريطانية، وإجراء الانتخابات لأول مجلس تشريعي أردني عام 1929، وتأسيس الجيش العربي ورعاية نشأته وتطوره.‏
وشملت الإنجازاتُ أيضاً، دعم حركة الاستقلاليين العرب باستقبالهم في عمّان، وإنشاء حزب الاستقلال، وفتح الآفاق السياسية ‏أمام تطور الوعي السياسي العربي والأردني، وتأسيس أحزاب سياسية وطنية، وتكريس هيبة الدولة وبناء مؤسساتها، وإعلان ‏إمارة شرق الأردن مملكةً مستقلة في 25 أيار 1946، وتحقيق وحدة الضفتين كأول نموذج حقيقي لوحدةٍ عربية.‏
وفي يوم الجمعة 20 تموز 1951، استُشهد جلالة الملك عبدالله المؤسس، طيّب الله ثراه، على عتبات المسجد الأقصى المبارك، ‏ليتولّى سدةَ الحكم وليُّ عهده، جلالة الملك طلال طيب الله ثراه، مواصلاً مسيرة البناء والحكم بنهج الخير والتطلّع إلى المستقبل.‏

بناء الدولة الأردنية الحديثة وتطوّرها ..
دستور 1952‏
أنجز جلالة الملك طلال بن عبدالله رحمه الله، خلال أقل من سنة هي فترة حكمه، الدستورَ الأردني لعام 1952، الذي جسّد ‏آفاق التطور السياسي المرتكز على ضرورة مشاركة الشعب في صنع القرار من خلال العملية الديمقراطية الكاملة وإجراء ‏انتخابات دورية لمجلس الأمة.‏
وأُقِرّ في عهد جلالته حقّ التعليم المجاني، وأُنجزت العديد من التشريعات، وسعى جلالته إلى توطيد العلاقات الأردنية مع ‏السعودية وسوريا ومصر، ولكنّ مرضه حال دون استمراره في الحكم، فكان القرار الدستوري بتشكيل مجلس الوصاية في 11 آب ‏‏1952، ريثما يبلغ نجلُه الحسين السنَّ القانونية بموجب الدستور، وهو اليوم نفسه الذي بويع فيه الحسين ملكاً على المملكة ‏الأردنية الهاشمية.‏

‏ "الإنسان أغلى ما نملك"‏
في 2 أيار 1953، تولّى جلالة الملك الحسين بن طلال سلطاته الدستورية في ظروف عربية ودولية حرجة ودقيقة، واستطاع ‏جلالته خلال فترة حكمه أن يحقق أعلى مستويات النهوض المدنية والسياسية، وأن يكون الباني لأردن الاعتدال والوسطية، ‏ويحقق أفضل نوعية حياة لشعبه، من حيث التطور في مستوى الخدمات والتعليم والتقدم العلمي، وأن يستمر الأردن في أداء دوره ‏العربي والإقليمي بتكامل وتأثير.‏
وعلى مدى 47 عاماً من قيادة جلالته، شهد الأردن تقدماً ملموساً في جميع المجالات؛ بخاصة الاقتصادية والاجتماعية ‏والسياسية، ورفع جلالته شعار "الإنسان أغلى ما نملك" كركيزة أساسية في توجيه الخطط التنموية والتأكيد على ضرورة توزيع ‏مكتسبات التنمية لتشمل كل المناطق وجميع فئات الشعب.‏
وفي مسيرة عطاءٍ لا تتوقف عند الهاشميين، حمل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الراية بتسلّمه سلطاته الدستورية في 7 ‏شباط 1999.‏

تعزيز المسيرة ‏
حرص جلالة الملك عبدالله الثاني على تكريس الأردن دولةَ مؤسسات وقانون قائمة على العدل والمساواة والانفتاح، وتوفير فرص ‏العيش الكريم، ومحاربة الفقر والبطالة، والعمل على تحقيق تنمية اقتصادية وسياسية واجتماعية، تنعكس آثارها إيجابياً على ‏المواطنين ومستوى معيشتهم.‏
ويؤمن جلالة الملك أن الأردن يمضي قدُماً في مسيرة التقدم والتطور والازدهار، من خلال تحقيق الاعتدال والتوازن والانفتاح ‏المدروس، ونبذ التطرف والعنف والانعزال، ومشاركة جميع مؤسسات المجتمع المدني والقطاعات الأهلية والخاصة في عمليات ‏البناء والتنمية، والانفتاح على اقتصاديات العالم.‏
وتركزت رؤى جلالته على تهيئة البيئة المناسبة والبنى الأساسية لانطلاقةٍ تنموية حقيقية تنعكس آثارها الإيجابية على حياة ‏المواطن، وإنجاز المراجعة الشاملة لجميع جوانب المسيرة الوطنية، وتحديد المشكلات التي تعيق هذه المسيرة، ووضع الخطط ‏والبرامج التي تساعد على إيجاد الحلول لها بالعمل الدؤوب من أجل الأردن الحديث المبنيّ على ضمان مشاركة الجميع، والقائم ‏على أسس الحرية والديمقراطية والتعددية والتسامح.‏
وركّزت الرؤية الملكية على ضرورة تعزيز المسيرة الديمقراطية، وتسريع وتيرة الإصلاحات المبنية على نموذج إصلاحي تطويري ‏متدرّج، يقوم على إشراك جميع فئات المجتمع في العملية السياسية.‏
ووفقاً لهذه الرؤية، فإن عملية الإصلاح السياسي النابعة من الداخل، تُترجَم من خلال تمكين المواطنين من المشاركة في صنع ‏القرار عبر ممثّليهم المنتخَبين، وتعميق تجربة الحكومات البرلمانية.‏
ويرى جلالته أن النجاح في الوصول إلى الهدف النهائي للإصلاح، مرهونٌ بقيام جميع أطراف العملية الإصلاحية بمسؤولياتهم ‏وأدوارهم والارتقاء بها، وبترسيخ القيم والممارسات الديمقراطية، وتعزيز الأعراف القائمة وتطوير الضروري منها، وبتحقيق ‏مستويات النضج السياسي الضروري لإنجاز متطلبات كل محطة إصلاحية.‏
ويدعو جلالته الجميعَ لتحمُّل مسؤولياتهم في تبني القيم والممارسات الديمقراطية والاستمرار في تطويرها مستقبلاً، من خلال ‏تجذيرها في المنظومة القيمية والتربوية والتشريعية عبر حملات التوعية والمناهج، وتمكين المؤسسات الوطنية المسؤولة عن ‏صون هذه القيم والممارسات.‏
ويؤكد جلالته من خلال رؤيته، أن الأمن والديمقراطية والرفاهية هي دعائم المستقبل، ويعتمد كلٌّ منها على الآخر، فرغم أن ‏التحديات الراهنة تمثل واقعاً استثنائياً ضاغطاً، إلّا أن الأردن ماضٍ بثقة على مسار التنمية السياسية الذي اختطّه وأراده لنفسه.‏
وبشأن علاقات الأردن العربية والإقليمية والدولية، يحرص جلالته على التواصل مع أشقائه العرب وقادة العالم وزعمائه، حيث ‏ترتكز سياسة الأردن الخارجية على المواقف المبدئية والواضحة النابعة من التزامه التاريخي والقومي للدفاع عن مصالح الأمة ‏العربية وخدمة قضاياها العادلة.‏


الملك عبد الثاني والقدس ..
شهدت عمّان في آذار 2013، توقيع اتفاقية أردنية فلسطينية لحماية القدس والأماكن المقدسة، تضع مدينة القدس المحتلة ‏والمقدسات الإسلامية تحت وصاية جلالة الملك عبدالله الثاني، استمراراً لدور الهاشميين في رعاية القدس ومقدساتها، وللتأكيد ‏على الوصاية والدور الهاشمي المستمر منذ بيعة أهالي القدس للشريف‎ ‎الحسين بن علي‎.‎
وتُمكّن الاتفاقية، التي وقّعها جلالةُ الملك والرئيس الفلسطيني محمود عباس، الأردنَّ وفلسطينَ من بذل جميع الجهود بشكل ‏مشترك لحماية القدس والأماكن المقدسة من محاولات التهويد الإسرائيلية. كما تهدف إلى حماية مئات الممتلكات الوقفية التابعة ‏للمسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف‎.‎
وتعيد هذه الاتفاقية التأكيد المطْلق على الجهود الأردنية في الدفاع عن القدس التي تحظى بمكانة تاريخية بوصفها مدينة مقدسة ‏ومباركة لأتباع الديانات السماوية، والتي تتعرّض لمحاولات متكررة لتغيير معالمها وهويتها العربية الإسلامية - المسيحية‎.‎
وتؤكد هذه الاتفاقية أن القدس الشرقية هي أرض عربية محتلة، وأن السيادة عليها هي لدولة فلسطين، وأن جميع ممارسات ‏الاحتلال الإسرائيلي فيها منذ عام 1967 هي ممارسات باطلة، ولا تعترف بها أيُّ جهة دولية أو قانونية‎.‎
وتعيد هذه الاتفاقية التأكيد على الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في مدينة القدس منذ بيعة عام 1924، والتي انعقدت ‏بموجبها الوصاية على الأماكن المقدسة للشريف الحسين بن علي، وأعطته "الدور في حماية ورعاية الأماكن المقدسة في القدس ‏وإعمارها، واستمرار هذا الدور بشكل متّصل في ملك المملكة الأردنية الهاشمية من سلالة الشريف الحسين بن علي‎".‎

الهاشميون والقدس ..
ارتبط الهاشميون تاريخياً بعقد شرعي وأخلاقي مع مكة المكرمة والمقدسات الإسلامية، فحفظوا لها مكانتها، ونأوا بها عن ‏خصومات السياسة، وكذلك كان حالهم مع القدس الشريف، أولى القبلتين، متلازماً مع تأكيد تبنيهم لرسالتهم التي ناضلوا من ‏أجلها، وهي الحفاظ على كرامة الأمة.‏
ومع قيام الدولة الأردنية، استُكملت في ظل الولاية الهاشمية مسيرة الحفاظ على المقدسات في مدينة القدس الشريف.‏

رعاية المقدسات أولوية هاشمية أردنية ..

وقّع جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس اتفاقاً تاريخياً في عمّان يوم 31 آذار 2013، أُعيد فيه التأكيدُ أن ‏جلالة الملك هو صاحب الوصاية على الأماكن المقدسة في القدس الشريف، وأن له الحقَّ في بذل جميع الجهود القانونية للحفاظ ‏عليها، خصوصاً المسجد الأقصى، المعرَّف في هذه الاتفاقية على أنه "كامل الحرم القدسي الشريف‎".‎
وللقدس عند الهاشميين مكانة كبيرة نظراً لاشتمالها على أهم المقدسات الإسلامية وأَجلّها قدراً. ففيها الحرم القدسي الشريف الذي يحوي ‏مسجدَين، وفيه تراثٌ معماريّ إسلاميّ عريق من المدارس والسبل والزوايا والأسواق والمكتبات‎.‎‏ وفيها المسجد الأقصى الذي أُسّس في ‏أيام الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب، وأقيمت بعد ذلك قبة الصخرة إلى جانبه، والتي أتمّ بناءَها الخليفةُ الأموي عبد الملك بن ‏مروان سنة 691م، فمنها عرج النبي محمد، صلّى الله عليه وسلّم، إلى السموات العُلى، وتعدّ أحد أبرز معالم المعجزة الخالدة للرسول ‏في رحلة الإسراء والمعراج‎.‎

الإعمار الهاشمي الأول ..
تصدّى الهاشميون للمزاعم الصهيونية المتعلقة بالقدس منذ البدايات، والتي كانت تمثل تهديداً مباشراً للمدينة العربية وتراثها الحضاري‎.‎‏ ‏وفي عام 1922 أُسّس في القدس المجلسُ الإسلامي الأعلى، وهو منظمة إسلامية غير حكومية، للحفاظ على تراث القدس الشريف، ‏وبادر المجلس إلى جمع الأموال اللازمة لترميم قبة الصخرة‎.‎
وحين قام وفدٌ من المجلس برئاسة الحاج أمين الحسيني، بزيارةٍ لشريف مكّة الحسين بن علي في الحجاز عام 1924، وأطلعه على ‏المخاطر التي يتعرض لها المسجد الأقصى، لبّى الشريف الحسين نداء أهل القدس، وتبرّع بحوالي 50 ألف ليرة ذهبية لإعمار المسجد ‏الأقصى ومساجد أخرى في فلسطين، ليشكّل هذا المبلغُ أساسَ المال الإسلامي لإعمار المقدسات‎.‎
وأسهمت عمليةُ الترميم التي باركها الشريف الحسين بن علي، بصمود مرافق المسجد الأقصى حين ضرب المنطقةَ زلزالٌ عنيف في ‏عام 1927‏‎.‎
لقد عبّرت الاستجابة السريعة التي أبداها الشريف الحسين لنداء أهل القدس، عن وعيه والتزامه بقضايا الأمة، ووفاءً لهذا العطاء طلب ‏أهالي القدس وأعيانها دفنَ الشريف الحسين، طيب الله ثراه، في الرواق الغربي للحرم الشريف في حزيران 1931، تأكيداً على مكانته ‏وتقديراً لجهوده في إنقاذ المؤسسات الإسلامية في القدس‎.‎

الملك المؤسس والقدس ..
وامتلك جلالته، الذي تولى الحكم في شرق الأردن أميراً ممثلاً لمسؤوليات والده، رؤية استشرافية للنهوض بواقع المنطقة ومستقبلها، ‏وظل موقفه ثابتاً تجاه فلسطين طوال فترة الانتداب، خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ تمسّك بضرورة إخراج فلسطين ‏من وعد بلفور، وفي الوقت نفسه حملَ حلمَ الشعوب العربية وحلم أبيه وأخيه الملك فيصل بإقامة دولة سوريا الكبرى للعرب‎.‎
وفي عهد الملك المؤسس كان مسار الأحداث صعباً وحرجاً بغيرِ ما تشتهي أحلام العرب، فمع إعلان بريطانيا في 15 أيار 1948 ‏قرار الجلاء عن فلسطين وتحويل مسألتها إلى الأمم المتحدة، كانت إسرائيل تعلن قيام دولتها في فلسطين‎.‎‏ وكان جلالته يدعو إلى ‏العقلانية في التعامل مع المجتمع الدولي بهذا الشأن، وأن يدرك العرب المخططات التي تحاك ضد فلسطين، وسار العرب في طريق ‏الحرب التي كانت نتيجتها فصول المأساة المستمرة إلى يومنا هذا‎.‎
ونتيجة لإعلان إسرائيل قيام دولتها، بدأ العرب حربهم عليها عام 1948، وشاركت قواتُ الجيش العربي الأردني في هذه الحرب لإنقاذ ‏القدس وبقية الأراضي الفلسطينية، لكن الحرب انتهت لصالح إسرائيل ولحقت أضرار كبيرة بالحرم الشريف في القدس، ولم يكن من ‏جلالة الملك المؤسس إلا أنْ بادر بإطلاق دعوة لترميم محراب زكريا وإعادة ترميم المباني المحيطة التي أصابتها أضرارٌ هيكلية‎.‎
ولم تقتصر عناية جلالته على المقدسات الإسلامية، فقد عمل شخصياً في إخماد حريق كاد يدمّر كنيسة القيامة في عام 1949، ‏وكان طيلة فترة حكمه (1921-1951) سادناً وحارساً للمقدسات المسيحية في القدس‎.‎

الاعمار الهاشمي الثاني ..
ما إن تولّى جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، سلطاته الدستورية في 2 أيار 1953، حتى صدرت توجيهاته إلى الحكومة ‏بترميم قبة الصخرة التي أخذت بفقدان بريقها بفعل عوامل الطقس والزمن، وبعد أن أخذت المياهُ تتسرب إلى الداخل‎.‎
وفي عام 1954 أمر جلالته بتشكيل لجنة بموجب قانون خاص لإعمار المقدسات الإسلامية في الحرم القدسي الشريف تحت الرعاية ‏الهاشمية، من منطلق المسؤولية التاريخية للهاشميين تجاه المقدسات‎.‎
وتَتابع الاهتمام بالقدس ومقدساتها في عام 1956، ثم في عام 1959 الذي بدأ فيه الترميم الثاني الذي موّله الأردن إلى جانب دعمٍ ‏قدمته بعض الدول الإسلامية، واستمر الترميم الثاني حتى 6 آب 1964، واشتمل على‎:‎
• إعمار المسجد الأقصى المبارك، وترميم جدرانه الخارجية الحجرية، وتركيب أعمدة رخامية لأربعة أروقة في الناحية الشرقية منه، ‏وتركيب نوافذ من الزجاج الملوّن، وترميم الأسقف والجدران الداخلية والخارجية.‏
• إعمار قبة الصخرة المشرفة، وتركيب قبة خارجية من الألمنيوم ذهبيّ اللون، وتركيب رخام للجدران الداخلية والخارجية، وإعادة ترميم ‏الفسيفساء فيها وكتابة الآيات القرآنية.‏
وحظي الاحتفاء بانتهاء الإعمار الهاشمي الثاني، الذي أقيم في الحرم القدسي الشريف يوم 6 تموز 1964، برعاية جلالة الملك ‏الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، والذي ألقى خطاباً في الاحتفال، بيّن فيه مكانة القدس لدى الهاشميين، مشدداً على ضرورة تكاتف ‏المسلمين لاستعادتها. وقال في ذلك الخطاب: "إننا ونحن نغتبط اليوم إذ نمد أبصارنا من خلالكم فنرى الملايين من العرب والمسلمين ‏في آسيا وإفريقيا وقد اجتمعت من حول فلسطين هذه الساعة، نحب أن نذكّر بأن إعمار مسجد الصخرة المشرفة إنْ بدأ فوق أرض ‏المسجد وفي حدودها الضيقة، فإن إنقاذ الصخرة والحفاظ على مسجدها وصون قبّتها تنتهي كلها هناك، في الأرض السليبة، في ‏الأرض العربية الحبيبة، وفي استرداد حقوقنا فيها كاملة غير منقوصة‎".‎

الاعمار الهاشمي الثالث ..
تعرّض المسجد الأقصى في 21 آب 1969 إلى حادثة أليمة عندما اقتحمه أحدُ اليهود المتديّنين المتطرفين، وأشعل النار فيه، وأدّى ‏إلى تدمير معظم أجزائه‎.‎
ومن بين أهم الأجزاء التي أصابها الضرر بسبب الحريق: منبر صلاح الدين، الذي أحضره من حلب القائدُ المسلم صلاح الدين ‏الأيوبي الذي حرّر المدينة من الصليبيين عام 1187م، ومسجد عمر الموجود في الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى، ‏ومحراب زكريا، ومقام الأربعين، والمحراب الرئيسي للمسجد، والقبة الخشبية الداخلية، ونوافذ المسجد، والجدار الجنوبي. كما تعرّض ‏السجاد الذي يغطي أرضَ المسجد إلى الحريق‎.‎
وإثر ذلك، أصدر جلالة الملك الحسين بن طلال، طيّب الله ثراه، أوامره بإعادة إعمار المسجد الأقصى، فأعيد المسجد الأقصى إلى ‏حالته السابقة قبل الحريق، وتم استبدال ألواح نحاسية مذهَّبة محْكمة الإغلاق بألواح الألمنيوم القديمة لقبة الصخرة المشرفة، كما شمل ‏الإعمارُ مناطقَ أخرى في الحرم الشريف والقدس، ومنها: قبة السلسلة، وباب الرحمة، وجامع المدرسة الأرغونية، ومكتبة المسجد ‏الأقصى، والقبة النحوية، وسوق القطانين، والمتحف الإسلامي، وسبيل قايتباي‎.‎
وبعد الانتهاء من إعمار المسجد الأقصى، وجدَ جلالته أن لجنة الإعمار تعاني من نقصٍ مالي كبير، لا سيما أن تنفيذ التصفيح ‏النحاسيّ لقبة الصخرة يتطلب كلفة مرتفعة، مما حدا بجلالته إلى التبرع بمبلغ من المال للجنة الإعمار حتى تستطيع القيام بأعمالها، ‏وجاء في رسالته إلى رئيس لجنة الإعمار بتاريخ 11 شباط 1992‏‎:‎
‎"‎إن ما تم إنجازه حتى الآن في اتجاه البدء بعملية إعادة الترميم والإعمار يبعث فينا جميعاً الرضا والاعتزاز، وإزاء استكمال الدراسات ‏وطرح العطاءات المتعلّقة بهذه العملية، فإنه ليسعدنا أن ننقل إليكم تبرعنا الشخصي مقدّماً لهذا العمل العظيم باسم أسرتي الهاشمية ‏سليلة آل البيت وحاملة رسالته. وإذ علمنا منكم أنَّ ما هو متوفر لديكم هو مبلغ مليون ومائتي ألف دينار أردني، فإنني أضيف لهذا ‏المبلغ ما مقداره 8.249.000 دولار تبرعاً شخصياً مني ومن أسرتي الهاشمية‎".‎
ولم يقتصر الاهتمام الهاشمي في القدس على تعمير الأماكن الإسلامية المقدسة، فقد شمل أيضاً إنشاء الكليات والمدارس الدينية ‏ومراكز حفظ التراث، ومنها‎:‎
• كلية الدعوة وأصول الدين في القدس، وأنشئت عام 1978.‏
• كلية العلوم الإسلامية في القدس، وأنشئت عام 1975.‏
• كلية العلوم الإسلامية في قلقيلية، وأنشئت عام 1978.‏
• ثانوية الأقصى الشرعية، وأنشئت عام 1958.‏
• المدرسة الشرعية في جنين، وأنشئت عام 1975.‏
• المدرسة الشرعية في الخليل، وأنشئت عام 1962. ‏
• المدرسة الشرعية في نابلس، وأنشئت عام 1962. ‏
• قسم الآثار الإسلامية بالقدس، وأنشئ عام 1977.‏
• قسم إحياء التراث الإسلامي بالقدس، وأنشئ عام 1978.‏

الاعمار الهاشمي الرابع
أضحت المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس جزءاً لا يتجزأ من كُتب التكليف السامي للحكومات الأردنية ومن برامج عمل ‏هذه الحكومات في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني‎.‎
وواصل جلالته التأكيد على ضرورة الاهتمام بهذه المقدسات، والعناية بمرافقها، والتعهّد بحمايتها. وجسّد اهتمامُ جلالته بالمسجد ‏الأقصى استمرارية هاشمية في رعاية مدينة القدس ومقدساتها لما لها من مكانة ومنزلة في سائر الديانات السماوية، وتَمثّل هذا النهج ‏بتشكيل لجنة إعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة بموجب قانون، حفاظاً على المقدسات والمعالم الإسلامية لتبقى ‏قائمة ببهائها وجمالها ومتانتها‎.‎
وأولت اللجنة عنايتها بالمسجد الأقصى المبارك وما يشتمل عليه من مساجد وقباب ومحاريب وأسبلة ومساطب وغيرها من المعالم ‏الحضارية، وأجرت أعمالَ الصيانة بشكل متواصل، وأزالت آثارَ الحريق الذي جاوزَ أكثر من ثلث مساحة المسجد، إضافة إلى إعمار ‏مسجد قبة الصخرة المشرفة الذي تم تشييده خلال الفترة (66-72هـ).‏

وشملت مشاريع الإعمار في المسجد الأقصى في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ما يلي‎:‎
• أولاً: منبر المسجد الأقصى المبارك (منبر صلاح الدين):‏
تشرّف جلالة الملك عبدالله الثاني بوضع اللوحة الزخرفية الأولى على جسم المنبر في 1 كانون الأول 2002. وتصدّر العملُ في ‏عملية التصنيع اهتمامَه ومتابعته المستمرة، ليعود المنبر على صورته الحقيقية المميزة ببالغ الحسن والدقة والإتقان، وكما أراد له ‏جلالة الملك الحسين بن طلال، طيّب الله ثراه، عندما أبدى توجيهاته بإعادة صنع منبر صلاح الدين الأيوبي في 28 آب 1993‏‎.‎
• ثانياً: الحائط الجنوبي للمسجد الأقصى المبارك.‏
• ثالثاً: الحائط الشرقي للمسجد الأقصى المبارك.‏
• رابعاً: مشروع نظام قضبان الشدّ والربط لجدران المصلَّى المرواني.‏
• خامساً: نظام الإنذار وإطفاء الحريق في المسجد الأقصى المبارك.‏
• سادساً: البنى والمرافق التحتية.‏
• سابعاً: قبّة الصخرة المشرفة.‏
وشملت الرعاية الهاشمية في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، ترميم الأعمال الفنية الزخرفية في مرافق قبة الصخرة المشرفة، والتي تعدّ ‏من كنوز الفن الإسلامي في العصر الأموي. كما شملت إعادة الرخام الداخلي لجدران القبة‎.‎
• ثامناً: مهد عيسى عليه السلام.‏
• تاسعاً: مشاريع الإعمار المقترح تنفيذها.‏
وتُواصل الجهات الحكومية المسؤولة العملَ لإتمام عمليات التحديث والترميم التي أمر بها جلالة الملك عبدالله الثاني، والتخطيط ‏لتنفيذ عدد من المشاريع المستقبلية مثل: مشروع الإنارة، وشبكة الهاتف، وتطوير الصوتيات المركزية، ومشروع المئذنة الخامسة ‏للمسجد الأقصى المبارك‎.‎
• عاشراً: ترميم القبر المقدس
في 4 نيسان 2016، وبمكرمة ملكية سامية، تبرع جلالة الملك عبد الله الثاني، وعلى نفقته الخاصة، لترميم القبر المقدس في كنيسة ‏القيامة بالقدس. وأبلغ الديوانُ الملكي الهاشمي البطريركيةَ الأورشليمية في القدس بمكرمة جلالته، في رسالة خطّية موجّهة إلى غبطة ‏البطريرك كيريوس ثيوفيلوس الثالث، بطريرك المدينة المقدسة وسائر أعمال الأردن وفلسطين‎.‎