الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 أيلول 2021

وكيف لا نفخر بفلسطين

هادي جلو مرعي

ليسوا سجناء، فالسجين هو من يقع تحت طائلة القانون العام للدولة، ويحاسب ويعاقب ويحكم عليه بالسجن، وسواه من الأحكام، لكننا في ظل سلطة الاحتلال لا نخضع لقانون لم يوضع لنا، وقانون الحرب هو الذي تعاملنا به تلك السلطة، ونحن نواجهها كمحاربين، وحين نقع أسرى فنحن بالفعل أسرى، وليس شيئا آخر، وليس من حق للمحتل أن يطلق تسمية السجين على أسير الحرب الذي تحميه القوانين الدولية، وهناك مواثيق وأعراف واتفاقيات تحفظ للأسير وضعا خاصا لا يجوز مخالفته، وانتهاكه مطلقا. 
حين وقع الأمير أبو فراس أسيرا بيد الروم في حرب الدولة الحمدانية معهم كان يناغي حمامة حطت على شباك الحجرة التي وضع فيها، وكان يكلمها: 
أقول وقد ناحت بقربي حمامة
أيا جارتا هل تشعرين بحالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى
ولاخطرت منك الهموم ببالِ
وقد وقع الشهيد عمر المختار حين كان يجاهد ضد سلطة الاحتلال الإيطالي أسيرا بيد المحتلين الذين نصبوا له محكمة عسكرية حكمت عليه بالموت، وقد واجه ذلك بصلابة وقوة وعنفوان لا مثيل لها. 
الفلسطينيون لم يستسلموا للسجان، ولم يغازلوا حمامة، بل قالوا لأنفسهم، إنها معركة طويلة، ومستمرة سنكافح فيها إلى النهاية، سيقتل منا الكثير، وسيجرح الكثير، وسيهجر الكثير، وسنخسر الكثير، وسنكون عنوانا دائما للتضحية، وعنفوانا متجددا للثورة وللكبرياء الذي لا ينكسر، وسيحار فينا عدونا، وستدوخ دباباته ومجنزراته، وستغوص في رمالنا، وتتهشم وهم تصطدم بصخورنا الصلبة كصلابة أرواحنا التي تعودت البقاء مثل عجائز الطبيعة، كالرياح، كالمطر، كالبحر، كالغيوم، كالسماء، كالنجوم، كالليل، كالنهار، كهموم البشر، ولن تغيب شمسنا، وسنعلم العالم كيف يصمد ويصبر. 
سنسجن، ولكننا سنحفر في الأعماق طريقا إلى الحرية، سنسمع أصوات الخائفين والمستسلمين في هدأة الليل، وسنعذرهم لأنهم لا يرون الغد، فقد ران على قلوبهم ما كانوا يفعلون، فهم يغازلون الهزيمة، ولا يعرفون الانتصار، وتعودوا توبيخ الأسياد، وسياط الجلاد، وليس لهم أن يكونوا شجعانا فهم بلا قضية، ولاهوية، ولا رواية، ولا فكر، ولا طباع، ولا سجية، ولا روح، بل ماتت فيهم نخوتهم، وهمتهم، وطباع الشجعان، وخصال الفرسان. أما نحن فلنا القضية. ومن كانت له قضية فروحه على الهزيمة عصية. وكفانا فخرا بفلسطين الأبية.