الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 19 أيلول 2021

..ورحل بوتفليقة

خالد جميل مسمار

في هذا اليوم ١٨/٩/٢٠٢١ رحل رجل من رجالات الثورة الجزائرية الأفذاذ، رحل أصغر وزير خارجية في العالم في عصره حيث لم يتجاوز الـ ٢٥ عاماً في ذلك الوقت،  تاريخه يواكب ثورة شعبه .. ثورة المليون شهيد ، ومن منا لا يعرف أو يسمع عن هذه الثورة العظيمة!.
منذ وعينا على الحياة ونحن، شعب فلسطين، بل شعوب الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم وعيوننا تتوجه نحو الجزائر داعين لها بالانتصار على المستعمر الفرنسي الذي استوطن الجزائر واستعمرها طيلة ١٣٣ عاماً متواصلة .. سارقاً خيراتها وقاتلاً لأهلها ومدمراً ما يرمز لعروبتها وإسلامها.
كنا ندفع مصروفنا اليومي ونحن أطفال دعماً للجزائر وثوارها الأبطال .. إلى أن اندحر المستعمر الفرنسي عنها وحصلت الجزائر على استقلالها في الستينيات من القرن الماضي. 
كنت يومها ما زلت طالباً في مدرسة الفسطاط الثانوية في القاهرة وكم كان رائعاً أن نخرج إلى شوارع مصر القديمة لاستقبال بن بيلا ورفاقه الأبطال في ذلك العام.
وتمر الأعوام وتفتح الجزائر أبوابها لثورة الشعب الفلسطيني التي تقودها حركة فتح. لقد استلهمت حركة فتح من الثورة الجزائرية أسلوب كفاحها ضد المحتل الفرنسي ولم تبخل الجزائر علينا في هذا المضمار فكانت خير معين لنا تدريباً وسلاحاً ومالاً.
وفي العام ١٩٧٤ وعندما فتحت الأمم المتحدة أبوابها لقائد ثورتنا المعاصرة الشهيد أبو عمار لإلقاء كلمته في المحفل الدولي وقال عبارته المشهورة يومها جئتكم بغصن الزيتون بيد وبالبندقية بيد.. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.
في هذا اليوم المشهود كان على سدّة رئاسة هيئة الأمم المتحدة الراحل الكبير عبد العزيز بوتفليقة الذي قدّم الشهيد أبو عمار ليلقي كلمته. وكان بوتفليقة في تلك الفترة وزير خارجية الجزائر، وكما قلت كان أصغر وزير خارجية في العالم.
وتشاء الأقدار أن ألتقي ذلك الرجل وجهاً لوجه بصحبة الأخ القائد سليم الزعنون (أبو الأديب) ووفد من المجلس الوطني الفلسطيني بدعوة كريمة من البرلمان الجزائري وذلك في العام ٢٠١٥ على ما أذكر.
كانت زيارة مهمة قابلنا يومها العديد من قيادات الشعب الجزائري بالإضافة إلى البرلمان الجزائري اختتمت بزيارة الرئيس بوتفليقة في دارته، وكان ما زال يعاني من مرضه وبالكاد نسمع صوته.. كانت الزيارة حسب المراسم للسلام عليه ولمدة لا تزيد عن عشرين دقيقة.
لكنّه رحمه الله كان يصّر بإشارة من يده إلى بقائنا.
فتحدثنا .. تحدث الأخ أبو الأديب أولاً حديث الثائر للثائر مادحاً العلاقة المتينة التي ربطت الثورتين الجزائرية والفلسطينية، وكلما هممنا بالرحيل حسب طلب البروتوكول كان يصر على بقائنا فتحدث كل واحد منا من أعضاء الوفد حول العلاقة الحميمة ونضال الشعبين الشقيقين وثورتيهما المتشابهتين في كثير من النواحي وخاصة الاستيطان. كان يستمع إلينا بكل حبّ وإصغاء وانتهى من جعبتنا الكلام وهو يصّر على بقائنا.. وجاء دوري في الحديث، فأردت أن أكسر رتابة وجديّة ما يطرح، قلت يومها وهو يستمع بكل الوّد: يا سيادة الرئيس، لقد عدت، وأنا في حضرتك، إلى الوراء قليلاً عندما كنت أنت في سن الشباب وكنت أصغر وزراء خارجية العالم، فكانت صبايا العرب بل صبايا العالم تنظر إليك بعين المحب بل المعشوق . فانفرجت أساريره وأشار بيده وكأنه يقول لي .. يا عفريت!
وضحكنا جميعاً ثم استأذنا فأذن لنا بالمغادرة، وغادرنا الآن هو بجسده في عمر الـ ٨٤ عاماً.. رحمه الله رحمة واسعة وأحر التعازي لشعبنا الشقيق شعب المليون شهيد.