الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 أيلول 2021

لماذا تُغَيِّبُ جامعاتنا تخصصا قائما بذاته للقضية الفلسطينية؟

باسم برهوم

الغريب بالأمر أن لا أحد بادر ان يكون في جامعة من جامعاتنا أو أكثر، تخصص قائم بذاته خاص بالقضية الفلسطينية من كافة جوانبها، تخصص يقدم الرواية الفلسطينية بشكل علمي أكاديمي. لماذا الاستغراب هنا؟ لأن أول خطوة قامت بها الحركة الصهيونية، عندما بدأت تضع أقدامها فوق أرض فلسطين، هي إقامة الجامعة العبرية في القدس، والهدف إقامة قسم خاص مهمته صياغة الرواية الصهيونية، ولتحقيق الهدف أحضرت كبار المؤرخين اليهود وغير اليهود. هذا القسم وضع عمليا الأسس الأكاديمية والايديولوجية للدعاية الصهيونية وأسس لبناء المواقف والسياسات قبل إقامة إسرائيل وبعد ذلك وحتى الآن.
الفرق أننا لا نحتاج إلى أن نرى الأحداث من منطلق ايديولوجي، وأن من مصلحتنا أن يكون المنهج المتبع في التخصص هو المنهج الموضوعي العلمي، لأن الرواية الفلسطينية ليست بحاجة لتزوير الحقائق أو فبركتها، لسنا بحاجة الى منهج مؤدلج كما فعلوا هم، فنحن حقيقة لا يمكن انكارها، كما أن الموضوعية تخدم أصحاب القرار باتخاذ القرار الصحيح.
جذور القضية الفلسطينية تمتد لبداية القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك التاريخ تراكم فيها قدر كبير جدا من التفاصيل بحيث لم تعد الإحاطة العادية تكفي، كما أن هناك عشرات الآلاف من الوثائق المتراكمة منذ الدولة العثمانية وحتى اليوم بحاجة لإعادة قراءة، تعطينا بدورها القدرة على تقديم قراءة جديدة للقضية الفلسطينية، مثل هذه المهمة لن تأتي عبر مبادرات فردية، بل بعمل مؤسسة أكاديمية ومجموعة من الخبراء والمتخصصين.
إن أيا منا يمكنه ببساطة ملاحظة أن هناك فجوة معرفية تتعلق بجوانب كثيرة من القضية، وهي فجوات يمكن وصفها بالخطيرة، نقص المعرفة لا يتعلق وحسب بالانسان الفلسطيني العادي، بل يمتد أيضا لدى النخب، الأمر الذي يقود إلى أن نتخذ مواقف وقرارات خاطئة، كما يحرمنا من بناء سياسة أو إستراتيجية تحظى بالمصداقية وتستطيع تحقيق نتائج وأهداف. 
علينا أن نعترف أن أحد أسباب تقهقرنا وبقائنا في دائرة ردات الفعل غير المسيطر عليها، هو هذا النقص المعرفي وغياب تراكمه بشكل علمي.
لنسأل أنفسنا كأفراد عاديين أو أكاديميين أو حتى سياسيين ونخب: هل نعرف ما يكفي حول قضيتنا التي نقول ليل نهار إنها معقدة؟ لنسأل أنفسنا: هل نستطيع الإجابة عن سؤال لماذا هم يتقدمون ونحن نتقهقر؟ وهو تقهقر صاحبنا منذ بداية الصراع وحتى اللحظة. 
لنسأل أنفسنا: هل نعرف ما يكفي عن الصهيونية كفكر وايديولوجيا ومشروع وما تمتلك من قدرات، ولماذا حققت أهدافها بزمن قياسي؟ هل نعرف ما يكفي عن حركتنا الوطنية لنعرف لماذا لم تتمكن حتى الآن من تحقيق أهدافها؟
ثم هل لدينا معرفة بما يكفي بالبيئة السياسية الدولية والإقليمية التي كانت تصاحب قضيتنا الوطنية؟
لو كنا أسسنا فروعا متخصصة في القضية الفلسطينية في جامعاتنا لكنا أقدر اليوم على الإجابة وأكثر قدرة على فهم ما يدور من حولنا ونمد السياسي بما يُسلحه من أساس معرفي ليكون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات ورسم السياسات.
هناك مصلحة وفوائد لا تحصى لاستحداث تخصص أكاديمي بالقضية الفلسطينية. أما بما يتعلق بسوق العمل لخريجي هذا التخصص، فهناك فرص كثيرة: سلك التدريس ومؤسسات الإعلام والبحث، وفي الدوائر السياسية والسفارات وفي الجامعات الفلسطينية والعربية والدولية. ولكن يبقى الهدف المعرفي لبناء رواية فلسطينية علمية أكاديمية هو فوق أي اعتبار، هذا البناء مهم للذاكرة الوطنية الفلسطينية الجماعية لتكون ذاكرة متينة صلبة، فهي أساس للحفاظ على هويتها الوطنية وتماسكنا الداخلي، التخصص مهم لتحصين الوعي الوطني العام أمام أي اختراق أو تشويه.
لقد تأخرنا كثيرا ولكن لنبدأ الآن فالصراع لا يزال طويلا.