الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 أيلول 2021

مأزومون

شرفة الحياة- فتحي البس

كتاب مأزومون، محللون استراتيجيون تائهون، ومحطات فضائية وإعلامية تملأ ساعات بثها ببرامج تستضيف معلقين معلوماتهم حول الموضوع الذي يجري الحديث عنه أقل من بائع بقالة يتابع الأخبار بشغف لأنه مأزوم أيضا بسبب تضارب ما يسمع، تجعله لا يستطيع اتخاذ قرار، هل يغلق دكانه، أم ينتظر معلومة نقيضة تدفعه للتفاؤل ببقائه في مكان رزقه.
بعض "المحللين الاستراتيجيين" يتابعون محطات فضائية بعينها، يلتقطون توجهاتها في قضية ما، وينتظرون اتصالها لعلهم يكونون ضيوفا في برامجها المخصصة لقضية ما وخاصة اذا كانت ساخنة، يستمع المشاهد لهم ولا يجد فيما يقولونه لا جدة في المعلومات ولا رأيا واضحا عدا متابعة الإجابة بكلام فيه من الانشاء وليس التحليل الكثير، بما يرضي إدارة تلك المحطة، وخاصة اذا كانت من تجري المقابلة أو تدير الحوار مذيعة ذكية وجميلة، طلتها مبهجة، ولا تفكر فيما تتلقاه من توجيهات من غرفة المراقبة، فتضيع ويضيع معها الضيف، يجاري السذاجة في الطرح، بأجوبة تتفوق عليها بالسذاجة، وفي نهاية الفقرة يتساءل المشاهد عما انتفع به مما جلس يشاهده تواقا للمعرفة او تكوين رأي، او الاطمئنان حول سير الاحداث في بلده او منطقته، وربما يقفز الى الشرفة ليبحث عن مصدر اطلاق النار الذي قالت المحطة إنه يتم تبادله في محيط سكنه، أو مراقبة المظاهرة الضخمة التي قال خبر المحطة إنها تدور في الشوارع المحيطة وتطالب بإسقاط المسؤول أو محاسبته، أو العكس، تهتف بحياته وتمجده، إذا كانت توجهات المحطة تريد ذلك.
بعض الكتاب أيضا مأزومون دائما، فهم متخصصون في شتيمة شخصية ما أو التقليل من شأنها، أو شيطنتها، وتتعمق أزمتهم عندما لا تحمل الأخبار شيئا حول هدفهم المرصود، أو ما يمدهم ولو بطرف خيط على الأقل، فيسارعون للبحث عن إشاعة، تقترب من الهدف أو محيطه، فيشبعونها تحليلا، دون الالتفات الى مصدر الإشاعة أو معقوليتها، فهم يعرفون أن الاشاعة تنتشر بسرعة أكبر من الحقيقة، وعندما يتم نفي الاشاعة، فإن من يقرأون النفي، أقل بكثير جدا ممن التقطوها.
بعض المحطات والمحللين والكتاب عينهم على بلد ما، يضخمون فيها حدثا مهما كان أو صغيرا، ويقللون من شأن حدث آخر، بالاستناد دائما إلى موقف مسبق أو رؤية كونوها لما يجب أن يكون الحال عليه حسب وجهة نظرهم أو نظر من يقف خلفهم، ويتركون خلفهم المهنية وأخلاقياتها، المهم عندهم ضخّ ما يشوش الحقائق ويطمس الإيجابيات فيستقر في ذهن المستهدفين فقط السلبيات.
بالتطبيق العملي، نأخذ فلسطين كمثال وساحة مفتوحة، يسهل على المذكورين أعلاه شيطنة الساسة، وشتمهم والتقليل من شأنهم، وترويج الاشاعات حول كل ما يحدث فيها، وتضخيم السلبيات وتقليل الإيجابيات، وعندما يتصل الموضوع بأساس المسألة، الاحتلال، يقللون من شأن القيادة والفصائل كل الفصائل، والتهم جاهزة، التقصير في كل شيء، يقولون لا القيادة ولا الناس ترتقي الى المستوى المطلوب في مواجهة الاحتلال، لأن المواطنين لا يظلون في الشارع وعلى نقاط المواجهة باستمرار، ولا يطوِّرون المواجهة إلى انتفاضة شاملة وعصيان مستمر واشتباكات دائمة، رغم أن ما يقوم به الفلسطينيون من فعل مقاوم يفوق التصور ويقدمون من التضحيات ما يفوق التصور ويبقون المحتلين في حالة استنفار دائم، لكن هذا كله لا يكفي الكتاب والمحللين "المقاومين" الذين يضعون استراتيجية المواجهة دون فهم أو استيعاب لظروف معركتنا المستمرة ضد الاحتلال.
لا أريد تسمية أحد، لكن أحد المحللين والمفكرين كتب أن حماس فاشلة وفتح لم تعد قادرة على قيادة المرحلة، وفصائل منظمة التحرير الأخرى لم يعد لها وجود على الأرض، ويرى أن الحل في انتفاضة شاملة تتطور الى العصيان المدني. كيف يتحقق ذلك؟ لا جواب لديه.
مأزومون يريدون تشكيل الناس والقضية على مقاساتهم، ليس لنا إلا أن ندعو الناس الى إعمال التفكير والتمحيص والتدقيق في الاجندات، ولتكن في الحالة الفلسطينية، المصلحة الوطنية العليا والوحدة الوطنية هي المعيار.