الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 أيلول 2021

راوية الابتسامة

شاهد عيان - محمود أبو الهيجاء

لسلافة الحجاوي، حكاية سليلة، وسليلة بمعنى أصالتها لا في خيط الذهب الوراثي الممتد من عروق العرب المجيدة فحسب، وإنما كذلك في معدنها الفلسطيني الصلب، ووطنيتها النضالية الحافلة بالمعرفة، والثقافة، والشعر، والبحث، والنقد، والسياسة، والتي ألزمتني تلميذا طيعا، كلما كنت أكون في حضرتها.
أعرف من حكاية "أم مصعب" العديد من فصولها البغدادية، حيث كنت هناك، وحيث كانت، ولم تكن دائما سواها، حيث هي السيدة أينما حلت، بوجه مبتسم كهوية إنسانية، وبحديث لا يعرف العجمة، ولا الثرثرة، ولا الهسهسة، وبرؤية لا تعرف الغرف العقائدية المغلقة، وبموقف لا يعرف اليقين سواه كلما تعلق الأمر بفلسطين. 
كانت تكتب لنا أحيانا نصوصا سياسية، في إذاعة صوت فلسطين، صوت منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تبث خطابها من أستوديوهات الإذاعة العراقية في بغداد، ولم أكن وأنا مسؤول الإذاعة لأراجع ما تكتب، كان نصها غير قابل للمراجعة، لبلاغته، وصواب رؤيته، واستخلاصاته.
شهدت لها موقفا مع الزعيم الخالد ياسر عرفات، كان حوارا بينها وبين الزعيم عن الشاعر الكبير محمود درويش، بوعيها النقدي لم تكن على وفاق مع قصيدة محددة لدوريش، وبوعيه التاريخي كان الزعيم يشير إلى قيمة الرمز الثقافي الذي يمثله درويش بالنسبة لفلسطين، وشعبها،  وانتهى الحوار بأن أقرت سلافة الحجاوي بحقيقة الرمز وقيمته.
لم أكن ألقاها إلا وهي مبتسمة وبالغة الأناقة كمثل فلسطينيتها، أعني كانت بالغة الأناقة بجماليات القيم الأخلاقية الفلسطينية، السليلة في عفتها ونبلها واتزانها الخلاق، وكمثل قصيدتها تظل حاضرة في المكان حين تغادره. 
في الوطن التقيتها غير مرة، وكانت شغوفة تماما لمواصلة عملها النقدي والبحثي في مركز التخطيط الذي كانت تديره، وكان في غزة، وقد عرف عنها هناك أنها كانت ذات منهج عملي لتفعيل المركز عبر إقامة الندوات، وورشات العمل ما خلق بيئة معرفية، وبحثية لافتة، في غزة، ما زال وسيبقى يحسب لها. 
سنقرأ سلافة الحجاوي بعد الآن في وثيقة الاستقلال فهي المرأة الفلسطينية الشجاعة حارسة بقائنا، وحياتنا ونارنا الدائمة، ذلك لأن حكايتها السليلة، حكاية باقية، في نصوصها الإبداعية، الشعرية، والنقدية، والبحثية، ولأن "الموت قد هزمته الفنون جميعها" وليس هذا فحسب، بل لأن حكايتها هي حكاية المرأة الفلسطينية في حضورها الخلاق في دروب البناء والعمل، والنضال، والجمال، منذ "عناة" وإلى الأبد.. لن نقول وداعا لسلافة واسمها جذوة الروح لشدة ما فيه من ألفة، ومحبة، ومودة ما جعل وجهها باسما دائما ولعلني أقول عنا الآن إنها راوية الابتسامة وحاميتها.