الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 أيلول 2021

استلهام التجربة الكردية

هادي جلو مرعي*

لكل أمة حتى وإن كانت تحت قيد الاضطهاد والمنع طموح، وتتطلع لغد مختلف، ولعل الأمة الكردية مثال مهم على ذلك. فهي، ووفقا لمعادلة الجغرافيا والتاريخ ممنوعة من أن تكون أمة كبقية الأمم المطوقة لها، وحالها يشبه حال فتى أنجبه رجل من زوجته الثانية المغلوبة على أمرها وتركه يصارع الحياة وحده، بينما يتمتع أبناء الزوجة الأولى بكامل الامتيازات، وتقع عليهم مسؤوليات عليا، ويشتركون في صناعة القرارات المهمة، ويديرون الأعمال، لكن الفتى المضطهد ممنوع عليه أن يكون مسؤولا، وممنوع عليه أن يكون قويا، وممنوع عليه أن يتصرف كما ينبغي، بل يهمل، ويتلقى الفتات، وإذا احتج أتته ضربة على الرأس، وعبارة تثقب أذنيه (اسكت يا ولد). 
أنا رجل بدوي أحب بداوتي، لكني لا أطمح لأن أصنع جبلا في الصحراء برغم تمنياتي الكثيرة، والمتكررة في أن أرى جبلا في بغداد نصنعه من ملايين الصخور نستوردها على غرار الفكرة التي قدمها سندباد في واحدة من مغامراته حين زار بغداد، ووجد أن نهرها قد جف ماؤه، والعطش أخذ من الناس رغبتهم في البقاء فيها، وصاروا يغادرونها الى أمكنة أخرى، فتوجه رفقة ياسمينة الحزينة الى القطب الجنوبي، وبمساعدة بعض الحيتان طيبة القلب تمكن من دفع كتلة ثلجية عملاقة، وأوصلها الى بغداد لينهي أزمة المياه فيها مع ان أزمات العواصم العربية ليست متصلة بالمياه والثلوج والموارد، بل في الرجال القادة الذين يحولون المشاكل الى فرص، ويعملون بصدق وقدرات حقيقية ليستثمروا ويغيروا دون أن ينشغلوا بطرح الشعارات غير الواقعية، ويبتكرون مشكلات جديدة ليشغلوا بها الرأي العام الذي ينشغل عادة بهمومه الكثيرة التي تأبي أن تغادره. 
الأكراد الذين نعرفهم هم شركاؤنا في بناء دولة ما بعد 2003 وقد كتبوا معنا دستور العراق، ومنحوا رئاسة الجمهورية، ونيابة رئاسة الوزراء، ونيابة رئاسة البرلمان، ووزارات عدة، مع مناصب وفيرة في مؤسسات الدولة، ولم يأخذوا تلك المناصب غصبا، بل كان ذلك باتفاق دستوري مع المركز، وهذا يحيلنا الى ضرورة أن نكون موضوعيين وواقعيين في التعاطي مع المشاكل التي تتفتق من حين لآخر، فينبري كتابنا وصحفيونا لمهاجمة الكرد، واتهامهم بشتى التهم، والغريب أنك حين تزور أربيل تجد أن نصف الشعب العراقي هناك، وتجد معظم المثقفين والصحفيين، ووسائل الإعلام، ورجال الاعمال، ووزراء ونواب، يتجولون في شوارع عاصمة الإقليم وهم منبهرون، ويلتقطون الصور، ويبعثون بها الى أصدقائهم، وهنا يجدر الحديث عن ضرورة ترتيب العلاقة بين بغداد وأربيل حيث تتقاطع الرؤى في بعض الملفات التي تحتاج الى ابتكار أساليب أكثر نجاعة لتخفيف التوتر، وحل الإشكالات، وليس استثمارها لدوافع شخصية وفئوية لا تنفع عامة الشعب، بل تحوله الى حال من القلق والانزعاج. 
من المؤكد أن الأكراد يفكرون بطريقة مختلفة جعلت أربيل مختلفة عن بغداد، والسليمانية مختلفة عن البصرة، ودهوك مختلفة عن الموصل، ويبدو أن هناك فرصة مختلفة لمغادرة التصور النمطي عن العلاقة بين المركز والإقليم طالما أننا نجد نموذجا للحداثة في البناء والاستثمار في كردستان يثير إعجابنا، ويدفعنا لصرف مدخراتنا في رحلة الى مصايف الإقليم، ومولاته مع أن عدد المولات في بغداد كبير، ومزعج، ويثير شكاوى أن تلك المولات في كل مكان، بل تجد شارعا واحدا قد يحتوي أربعة مولات لا يرتادها أحد لأنها بنيت عبثا بلا تخطيط، ولا نظام محكم. 
يمكن أن نستلهم التجربة الكردية في بناء مدن الوسط والجنوب والغرب، ويمكن حل المشاكل بالحوار لأنه هو الطريق للوصول الى نتائج مقبولة من الجميع.
-----------
* كاتب عراقي