الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 16 أيلول 2021

39 عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا.. الحقيقة لا تزال دامية

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- هنا في كل زاوية حكاية أكثر دموية ممهورة بوصمة عار على جبين الإنسانية عمرها اربعون عاما، هنا في مخيمي صبرا وشاتيلا، حيث بُرئ القاتل وأدينت الضحية، ظل الكلام ممكنا بالنسبة لمحمد سرور الذي أخذه الحديث في جولة رافقناه بها عن فصول المجزرة المروعة التي نجا منها وقد ارتكبتها قوات الاحتلال الاسرائيلي وميليشيات لبنانية بحق المدنيين على مدى ثلاث ليال من أيلول 1982، إلى أن وصلنا إلى ذاك المنزل المتواضع الواقع في حي الحرش على أطراف مخيم شاتيلا، اتكأ محمد على حائطه الذي ما زال رصاص الغزاة محفورا عليه، محدقا إلى داخله عبر بوابة خارجية سوداء.. عبثا حاولت أن أرى ما رأته تحديدا عيناه أو أدرك حقيقة ما جال في خاطره أو ما اختلج بداخله من أحاسيس.. ليست إلا دقائق تيقنت من وجع كبير أيقظته مشاهد ذكرى أليمة فيه لم تستطع عقود الزمن من محوها قبل أن يعود ويطلب منا أن نغادر المكان ونتكلم بعيدا عنه .

مقتل الرئيس اللبناني بشير الجميل الذي سبق حدوث المجزرة حاول المجرمون أن يتخذوا منه ذريعة في تورط الفلسطينيين به، ورغم اتفاق فيليب حبيب الذي قضى بوقف اطلاق النار وخروج قوات الثورة الفلسطينية بعد ضمانات حصل عليها الرئيس الراحل ياسر عرفات بحماية المدنيين الفلسطينيين، إلا أن جيش الاحتلال الاسرائيلي سلك الخط الغربي لبيروت من الأوزاعي باتجاه الجناح- الرملة البضاء- الروشة وبعده خط طريق المطار باتجاه وسط المدينة ومن ثم أحكموا سيطرتهم على خط السفارة الكويتية باتجاه المدينة الرياضية والكولا، فأضحى المخيمان محاصرين من كل الاتجاهات. 
كان أهالي مخيمي صبرا وشاتيلا يمارسون حياتهم الطبيعية، إلا أن قلقا اعتراهم دون ان يتوقعوا ما يُعد لهم من أبشع الجرائم في تاريخ البشرية، خرج محمد سرور مع رفاقه في الخامس عشر من أيلول متجهين نحو السفارة الكويتية حيث تمركز جيش الاحتلال الاسرائيلي وميليشيات القوات اللبنانية المتعاملة معه للاستفسار منهم عما يجري في محيط المخيمين وإذا كان من خطر يهدد الأهالي المدنيين فيهما، فكان الجواب الوحيد: نحن نلاحق "المخربين" من (المرابطين) فقط .
وإذ أعطى الغزاة بقيادة شارون الأمان للسكان الآمنين كي لا يخرجوا من بيوتهم قبل تنفيذ مجزرتهم يقول محمد: كان سكان مخيمي صبرا وشاتيلا يعانون يومها من الحصار الذي فرضه الاجتياح الاسرائيلي على العاصمة بيروت ومن شح المياه والمواد الغذائية وبالتوازي يستضيفون أقاربهم الذين نزحوا من مخيمات الجنوب لا سيما من صور، أحد لم يتوقع أن ترتكب هكذا جريمة بحق أبرياء عزل وإلا لخرجنا جميعا في ذلك التاريخ المشؤوم.
ويتابع: إلا أنني حين شاهدت المسلحين وبالخفاء من على سطح المنزل يتجهون صوب المخيم من جهة المدينة الرياضية اقترحت على والدي الخروج فلم يقتنع  وأوعز إليّ بالمغادرة مع أخي الكبير كون الباقين أطفالا ونساء ومن غير المتوقع استهدافهم. 
في السادس عشر من أيلول وتحديدا عند الساعة السادسة والنصف مساء لحق محمد بأخيه أحمد إلى مشفى غزة في صبرا الذي اعتبر حينئذ نقطة أمان للسكان الفارين من هجوم بدأت معالمه تتضح شيئا فشيئا، بعد حوالي ربع ساعة من وصوله هناك حيث تجمع المئات في غرف المرضى، بدأت القنابل المضيئة تلمع في سماء المنطقة والقنص يستهدف شارع صبرا الرئيس. يضيف محمد: بدأنا نسمع صياح الناس من بيوتها وسباب المهاجمين وصراخهم معا.
يتابع: مر الليل علينا طويلا ومع كل ساعة كان خوفنا يزداد على أهالينا الذين مكثوا في البيوت، لطالما خطرت في بالي العودة الى المنزل لأتفقد والديّ واخوتي، ولكن الأمر كان في غاية الصعوبة.. ما أن طلع النهار حتى تسلل أخي أحمد وابن عمتي إلى المخيم فالتقيا على الطريق بأحد جيراننا ويدعى حسين الشايب يقول لهم: اركضوا فهم يذبحون الناس.
عاد أحمد أدراجه الى مشفى غزة دون ان يحمل أي معلومة عن أهلي فيما اتجهت مع أحد الشبان نحو منطقة السبيل لشراء الطعام حيث كانت كل المحال مقفلة، في طريق العودة استوقفنا رجل، هو بالطبع لا يعرفني، قائلا: لا تنزلوا الى شاتيلا لقد قتلوا أبو احمد سرور وأولاده، تجمد دمي في عروقي للحظات وتوجهت مسرعا الى المشفى حيث كان أخي أحمد يبكي عند مدخل الطوارئ، دخلت لأجد أمي وأختي نهاد تتلقيان العلاج في الجانب الأيمن من جسديهما، بدأت أطرح السؤال تلو الآخر على أمي عما حصل دون ان تجيب، سألتها عن إخوتي وأبي فبدأت بالبكاء، ففهمت حينها أنه تم قتلهم.
أخت محمد نهاد وهي احدى الناجيات من مجزرة عائلة سرور والتي كانت تبلغ بتاريخها الستة عشر عاما، قالت لـ "الحياة الجديدة" بدورها: بعد ليل طويل من الهجوم المسلح على المخيم والقصف والصراخ الذي لم نكن نفهمه، الساعة السادسة صباحا صعدت جارتنا ليلى التي كانت تختبئ في منزلنا الى السطح مصطحبة معها أخي نضال (12 عاما) كي تعرف شيئا مما يجري حولنا، فإذا بدورية من الغزاة تمر، فيصرخ أحد المسلحين منها وهو يشتم: يا ... ما زلتم أحياء؟؟؟ 
اتجهت ليلى سريعا مع نضال الى المنزل وأخبرتنا بما حصل، كانت أمي تجهز طعام الفطور قبل ان يُطرق الباب وتفتح (أمي) لمجموعة من المسلحين اقتحموا المنزل، سألوا والدي بداية: ماذا تعمل وهل أنت من المقاتلين؟ قال لهم: أنا معوق فكيف أحمل سلاحا؟
تكمل نهاد: اختلف القناصون من الميليشيات التي بدت لهجتهم اللبنانية واضحة فيما بينهم، هل يتم أخذنا إلى المدينة الرياضية؟ أم تتم تصفيتنا هنا في المنزل؟ ما لبث أحدهم أن حسم الأمر وقال للآخر: "ادخلهم ألى الغرفة الثانية ورشهم فيها".
وتتابع بمصداقية: اهتزت يد القاتل بداية فصرخ أحد المرافقين له: ماذا تنتظر؟ اطلق النيران عليهم.
كانت نهاد تحمل أختها الصغيرة شادية التي كانت تبلغ السنة ونصف السنة من عمرها وكيسا من الحفاضات خبأت به جنى والدها، فاقتلع أحد المسلحين الكيس من يدها فيما طلب آخر من والدها إبراز هويته، وما ان استدار الوالد كي يطال له الهوية حتى أطلقت النيران علينا جميعا، تقول نهاد.
وتضيف: استشهد والدي، واخوتي شادي (3 سنوات) وفريد (6 سنوات) ونضال (12 سنة)، فيما أصبت أنا وأختي شادية التي كانت بين يدي، لم أشأ أن أرمها على الأرض مخافة أن تتألم أكثر، فهويت نزولا معها متحايلة بأنني استشهدت، رددت شادية ثلاث مرات كلمة "ماما" فأدرك المسلحون أنها ما زالت حية فأطلقوا النيران على رأسها حتى استشهدت على جسد أمي التي أصيبت وبقيت صامتة كما أختي سعاد التي أصيبت بالشلل المزمن بعد ان نزفت أكثر من يوم كامل قبل أن يتاح نقلها الى المشفى. 
ما أن خرج المسلحون حتى قامت نهاد تتفقد الأحياء والأموات من عائلتها فإذا بأشقائها ماهر واسماعيل (استشهد اسماعيل فيما بعد برصاص طائش في معارك شرق صيدا بعمر الـ 16 عاما)  يخرجان من حمام المنزل حيث اختبآ دون ان ينتبه لهما أحد، فطلبت منهما أن يغادرا المخيم سريعا، واصطحبت أمها الى المشفى بعد ان أقفلت الباب على أختها سعاد طالبة منها عدم فتحه لأحد إلى أن يتسنى لها انقاذها، تقول نهاد بحرقة: كل ما استطعت تقديمه لأختي سعاد التي كانت مضرجة بدمائها، هو الماء كي لا تموت عطشا.
وتردف: وجدت جارنا سعيد العايدي مقتولا في الخارج ودمه أسود، ما يعني أنهم قتلوه في اليوم الأول من المجزرة، كان المسلحون منتشرون على الشوارع، أضعت وأمي الطريق من شدة الهلع وبات كل فرد من العائلة في جهة، حتى وصلنا إلى أحد الأماكن الآمنة وتم نقلنا الى مشفى غزة.
تختم نهاد سرور: لو كنا نعلم لخرجنا من المنزل، لم يكن ليقدروا علينا لولا أنهم غدرونا، نحن من فتحنا لهم الباب وهم يعلمون ذلك، أربعون سنة مرت ولن أسامح، هؤلاء ليسوا بشرا انهم سفاحون وإنني لا أبرر للاسرائيلي ولكني أقول: ان ما لم ينفذه هو في تلك الليالي الثلاث السوداء نفذته الميليشيات المتواطئة معه.
ويعلق محمد بدوره في الذكرى التاسعة والثلاثين للمجزرة: عملية جبانة على المدنيين العزل من الأطفال والشيوخ والنساء، قلبت حياتنا رأسا على عقب، أحمل المجتمع الدولي والعربي والاسلامي بأكمله المسؤولية على سكوته ومحكمة الجنايات الدولية والقضاء اللبناني.. الكل يعلم انه لو كان المقاتلون موجودين في المخيم لما كانت الميليشيات ولا من لف لفها يستطيع الدخول الى المخيم لأن قوة المقاتل الفلسطيني تعادل عشرة من قوتهم، ولكنهم لم ينفذوا الجريمة إلا بعد خروج مقاتلي الثورة الفلسطينية وعلى رأسهم الرئيس الراحل أبو عمار من بيروت.. هي مؤامرة أطراف دوليين على الشعب الفلسطيني اندرجت ضمنها اتفاقية فيليب حبيب التي سرعان ما تم خرقها.