الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 أيلول 2021

نسور الحرية حلقوا

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

يوم من أيام التاريخ الفلسطيني المجيدة، يوم جادت فيه إرادة الرجال الرجال بدرس وعبرة قديمة جديدة. يوم حلقت فيه نسور وجنرالات الحرية نحو فضاء الوطن والشعب العظيم، حينما كسر ستة رجال قضبان القيد، وتفوقوا على كل ألوان وفنون الأمن الإسرائيلي التكنولوجي واللوجستي والعسكري، اخترق أبطال سجن جلبوع التحصينات وعلوم الهندسة الكهربائية والبنية التحتية بتعقيداتها المختلفة، وأبدعوا بتحديد نقطة البدء في صناعة نور الحرية، وتفوقوا باختيار ومسار نقطة العبور إلى طريق المجد. 
فجر يوم الاثنين الموافق السادس من أيلول/ سبتمبر 2021 كان مختلفا ومتميزا ومشرقا وعطرا، عطره عرق الرجال الميامين، الذين فلوا الحديد وطبقة الأرض بملعقة صغيرة وصدئة وإرادة لا تلين، وصبر خارق، وقوة تصميم تفوق الوصف. ستة من مناضلي الحرية الأبطال صنعوا ملحمة جديرة أن تدون في صفحة التاريخ الوطني بأحرف من نار ونور، تفوقوا على سلطات السجون بحنكتهم، وبراعتهم، ودقة خطتهم، وأدائهم، واختيارهم للزمان المناسب لإعلان حريتهم، وفن إدارتهم لعملية الحفر، ونقل التراب، والتخلص منه، وتحديد ساعات العمل، واختيار الشخص المناسب للعمل، والتغطية عليه طيلة أوقات العمل، وتمويه مكان العمل، رغم التفتيش اليومي ثلاث مرات داخل أقسام وغرف وزنازين المعتقل، وتجاوز معيقات البنية التحتية من صخور وجسور، وتمديدات السباكة وخطوط الكهرباء والإنارة، وكاميرات المراقبة بكل أشكالها وأبراج المراقبة، وعمليات المناوبة لقوات الحرس في السجن، وفي اختيارهم نقطة الخروج. 
نعم الأبطال الستة: زكريا الزبيدي (46) عاما من مخيم جنين، ومحمود عبد الله عارضة (46) عاما من قرية عرابة/ جنين، ومحمد قاسم عارضة (39) عاما من عرابة/ جنين، ويعقوب محمود قادري (49) عاما من بير الباشا، وأيهم نايف كممجي (35) عاما من كفر دان، ويعقوب انفيعات (26) عاما تمثلوا إرادة الشعب العظيم، شعبهم الأبي، شعب العطاء والتضحيات والفداء، شعب الثورات والهبات والانتفاضات المتعاقبة من 1921 حتى يوم الدنيا هذا. لم يستكينوا لمنطق القيد والجلاد، ولم يرضخوا لسياسة الإذلال والمهانة الصهيونية، ولم ييأسوا للحظة من نيل وانتزاع بيدق الحرية بأيديهم وعرقهم وصبرهم وإرادتهم الفولاذية، وتلفعوا براية الإيمان والحق والانتماء والإصرار على صناعة ملحمة بطولية مجيدة جُبِلوا عليها، ورضعوها مع حليب أمهاتهم، واستقوها من تاريخ أجدادهم وآبائهم، وانتصروا لها، بانتصارهم على المستعمر الصهيوني البغيض. 
لم يهابوا الموت، ولم ينحنوا للحظة أمام المخاطر والصعوبات والتعقيدات، وما زالوا وهم ينيرون دروب الوطن بحريتهم لا يخشون النتائج، لأنهم قرروا كسر الأحكام العنصرية والفاشية، ورفضوا البقاء داخل أسوار باستيل الاحتلال، فتمردوا واتخذوا قرارا قضائيا شعبيا، قرارا انتزعوه بإرادتهم وشجاعتهم، ومن روح الشموخ الباسلة، ونهضوا كطائر الفنيق من تحت الرماد، وطاروا مع نور الفجر في سهول ووديان وجبال الوطن. وتركوا دولة إسرائيل المارقة والخارجة على القانون بقضها وقضيضها تغرق في متاهة اليأس والإحباط والإفلاس والضياع، تبحث عن ملاذ تغطي فيه وفشلها وهزيمتها أمام ثلة من رجال فلسطين الأبطال، حتى أن رامي عوفوديا، مسؤول كبير سابق في مصلحة السجون الإسرائيلية، شبه عبور الأبطال الستة من سجن جلبوع باعتباره فشلا كبيرا، وقاربها مع هزيمة إسرائيل في حرب أكتوبر 1973، حسب "قناة كان" الإسرائيلية. 
تحليق النسور من سجن جلبوع لم يكن الأول، بل هناك سوابق فلسطينية دونها التاريخ، ففي يوليو من العام 1958 تمكن 66 معتقل فلسطيني من اختراق الحواجز الأمنية للسجن المذكور بعد اندلاع تمرد عنيف فيه، قتل منهم 11 أسيرا مقابل قتل اثنين من حراس الباستيل. وفي عام 2014 حفر أسرى الحرية نفقا للعبور، لكن سلطات السجن اكتشفته، وتم إحباط محاولة الهرب. وفي سجن غزة المركزي هرب ستة أيضا من جنرالات الحرية في مايو 1987، والعديد من عمليات الانعتاق من عتمة السجان والزنزانة. 
وانتصار أبطال محافظة جنين، هو انتصار لكل الشعب، وأحد علامات ومؤشرات الانتصار لحركة التحرر الوطني الفلسطينية على الاحتلال الاستعماري الصهيوني، وبوابة العبور نحو انتزاع حرية واستقلال وسيادة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم ووطنهم الأم شاء من شاء وأبى من أبى.
[email protected]