الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 أيلول 2021

بين الفراشة والهروب الكبير ومعجزة فلسطين، حرِّية سقفها السماء

شرفة الحياة- فتحي البس

 في عالم السينما، تسمَّر ملايين البشر أمام شاشات السينما أو أجهزة التلفزيون وهم يشاهدون فيلم "الفراشة" الذي أنتجته السينما الأميركية عام 1973 عن رواية الفرنسي هنري تشاريير، والتي تروي قصة الهروب الكبير لمظلوم وجد نفسه محكوما بالسجن فكرَّر محاولة الهروب حتى نجح في نهاية المطاف رفضا لقهره ومنعه من حلم بسيط "أن ينام ويستيقظ ويذهب إلى عمله، ويعود منه.. لا شيء يضايقه أو يمنع الحرية عنه". التعاطف معه بلغ حدًّا لا يوصف، ويقال إن هذه الرواية كانت سببا في منع عقوبة الإعدام في فرنسا، ولا زال هذا الفيلم من كلاسيكيات السينما العالمية.
 مثله لاقى فيلم الهروب الكبير الذي أنتج عام 1963 ويروي قصة هروب عدد كبير من أسرى الحلفاء لدى النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، ومأخوذ كما يقول منتجوه من أحداث واقعية، كالفراشة المستند إلى بيبليوغرافيا كاتبها. صفَّق العالم واحتفى طويلا بهذين الفيلمين وتعاطف المشاهدون مع أسرى الحرية، وهلَّل الغربيون لبطولة وجرأة وشجاعة وإنسانية الهاربين، وظلّوا يلعنون قسوة ووحشية النازيين، ويثنون على صبرهم ودقة تخطيطهم وعدم يأسهم عندما فشلت محاولاتهم الأولى.
في فلسطين، حصل ما هو أهم من الأفلام والروايات وحتى قصصها الحقيقية، لأن حكايات الهروب من سجون الاحتلال، العنصري بسلوكه ورؤيته للفلسطينيين، حقيقية مئة بالمئة، أبطالها أسرى حرية ونضال من أجل الحياة العادية البسيطة من دون احتلال، نفذها في السنين الماضية عشرات من الأسرى، بعضها نجح، وأخفق بعضها الآخر، لكم تجربة هروب حمزة يونس، مواليد قرية عارة بطل الملاكمة الذي سجن ثلاث مرات أولها عام 1964 وخطط للهرب في المرات الثلاث ، تكللت كلها بالنجاح، عاد بعد الأولى للأسر في معركة عام 1967، وبعد الثانية عاد في قارب لقوات العاصفة لتنفيذ عملية، أسر وتمكن من الهرب، روى تجربته في كتابه "الهروب من سجن الرملة". لكن تجربته لم تنتج كفيلم ولم تنتشر على نطاق واسع، بما فيها من أحداث تحبس الأنفاس، ومات بعيدا عن وطنه، رغم محاولاته الدائمة للعودة، لماذا؟ إنه القصور ولا أقول الظروف.
واليوم، ينجز ستة أسرى فلسطينيين معجزة حقيقية، أسرهم الاحتلال في معارك من أجل الحرية، حرموهم من الحياة المُشتهاة بأحكام مؤبدة متعددة، وظنوا بذلك أنهم كسروا إرادتهم، وأنهم سيستكينون ويقبلون مصيرهم تحت أقدام جلاديهم، لكنهم برهنوا أنهم أبناء الحياة، إن كانوا سيفقدونها، فليكن ذلك في ميادين مواجهة.
أن يتمكنوا من الهرب من سجن جلبوع سيئ الصيت، معجزة حقيقية في ظل إجراءات غير عادية، وحراسات على مدى الساعة، ومبنى محصن وأجهزة انذار ومراقبة متطورة، وسجّانين بلا أدنى مشاعر إنسانية، فكيف فعلوها؟  ببساطة إنها الإرادة التي لا تهزم، والصبر على الوجع وحتى على لحظات الفشل التي كادت تتحقق مرات عدة. ستكشف الأيام ما حصل، وكيف حققوا النجاح، وستكتب تجربتهم في روايات وستظهر في أفلام ومسلسلات، لأنها تستحق، وربما يطول الزمن قبل ان يتحقق ذلك، لكن الحكاية في واقعيتها تفوق خيال المبدعين.
سيرتكب الإسرائيليون فظائع أثناء البحث عنهم، عقوبات جماعية وتشديد حصار واعتقالات وأشكال مختلفة من صنوف الاضطهاد لشعبنا، وقد ينجح هؤلاء الرجال بالإفلات والوصول إلى بر الأمان، وقد يتمكن العدو بما يملك من تقنية وقدرات متنوعة من إعادة اعتقالهم وربما قتلهم، لكنهم كما يتوقع شعبنا، وضعوا ذلك في حساباتهم، وانطلقوا.
بين الفراشة والهروب الكبير ومعجزة فلسطين، حرِّية سقفها السماء، وحكاية تحدٍّ للمحتل والسجان، لعل العالم يراها بعين العدالة كما فعل مع الفراشة والهروب الكبير، ويقول للمحتلين، كفاكم قهرا للشعب الفلسطيني، ارحلوا عن أرضه، هؤلاء طلّاب حرية.