الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 أيلول 2021

قديم جديد الإبادة والتطهير العرقي

نبض الحياة -عمر حلمي الغول

منذ بدأ الاستيطان الاستعماري في فلسطين قبل وبعد وعد بلفور، ومع إقامة دولة المشروع الصهيوني وحتى يوم الدنيا هذا وسياسة وسيناريوهات الإبادة والتطهير العرقي الصهيونية لا تتوقف ضد الشعب الفلسطيني، وآخرها ما يسمى مشروع "تسوية الحقوق العقارية"، الهادف إلى وضع اليد على العقارات الفلسطينية عبر عمليات التزوير والتلفيق كمقدمة لضم والسيطرة على العاصمة، وشرعت أمس الأحد، لتحويل أرض "مقبرة الشهداء" الملاصقة لمقبرة اليوسفية بالقرب من منطقة باب الأسباط في القدس العاصمة الأبدية إلى "حديقة توراتية" في المكان. 
وهناك كم من المشاريع والسيناريوهات في مختلف ربوع فلسطين التاريخية، ففي الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة تعمل أجهزة إسرائيل الأمنية على إفقاد المواطن الفلسطيني الأمن والأمان من خلال اتساع وزيادة عمليات القتل اليومية، والتي بلغ عدد الضحايا من بداية العام حوالي 85 إنسانا فلسطينيا، ومارست البطش والاعتقال المعلن للمئات منهم بعد هبة القدس الرمضانية، فضلا عن الحؤول دون إعادة نظر بالخرائط الهيكلية للمدن والبلدات والقرى الفلسطينية وغيرها من الانتهاكات الإجرامية بحقهم بذرائع واهية وعنصرية لتضييق الخناق على الجماهير الفلسطينية العربية ودفعها للترانسفير. وفي قطاع غزة ساهمت بشكل واضح أولا في نجاح حركة حماس في الانتخابات البرلمانية، ثم فرضت الحصار على أبناء الشعب هناك، وتلا ذلك تهيئة الظروف في نجاح الانقلاب الحمساوي على الشرعية الوطنية أواسط العام 2007، ومن خلال التعاون الثنائي المشترك تم تضييق الخناق على الحياة الاجتماعية والإنسانية، ونجم عن ذلك إغلاق أبواب العمل أمام الشباب وعموم الشعب، وزادت من فرض الضرائب المتوالدة، وفقدان شروط الحياة الآدمية من خلال حكم الملالي الجدد في محافظات الجنوب، ودفعت عشرات آلاف من الشباب للهجرة وركوب أعالي البحار، حيث لاقى جزء كبير منهم حتفه.
وفي الضفة الفلسطينية اتسعت عمليات الاقتحام للمدن والقرى والمخيمات والقتل والاعتقال، والمصادرة وتهويد الأراضي والملاحقات وزادت الحواجز والانتهاكات في عموم محافظات الدولة الفلسطينية، وتم خلال الأيام الماضية هنا في هذه الزاوية نشر العديد من الأرقام عن اعتقالات الأطفال والشباب والنساء، واستباحة المنطقة (A) و(B) لإضعاف السلطة الوطنية، وإفقادها هيبتها ومكانتها في أوساط الشعب، وحدث ولا حرج عن المنطقة (C) عموما والأغوار خصوصا، التي عاثت فيها قوات جيش الموت الإسرائيلي وقطعان المستعمرين خصوصا عبر زيادة عمليات الهدم، وطرد السكان ومحاصرتهم بذرائع وحجج واهية وكاذبة لا تمت لأبسط المعايير الحقوقية والإنسانية بصلة.
ومن يعود للخلف مع إقامة دولة الاستعمار الإسرائيلية ويطل على كتاب "التطهير العرقي في فلسطين" للمؤلف الإسرائيلي التقدمي الآن بابه، الصادر عام 2006، يمكنه الاطلاع على الكم الهائل من جرائم ومجازر التطهير العنصري ضد أبناء الشعب الفلسطيني. وبالإضافة لذلك، لنعد للتاريخ ونقرأ عن خطة إبادة أبناء قطاع غزة، التي طرحها بنحاس لفون، وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي آنذاك، وكشفها موشيه شريت، رئيس الوزراء في مذكراته، ووصفها هو نفسه، بأنها خطة إجرامية عنصرية شيطانية ضد الفلسطينيين، وجاء في المذكرات "برهن وزير جيش الاحتلال، بنحاس لفون عن عناصر شيطانية في نفسه!! ما لا أستطيع أن أغفره لنفسي، أمام خالقي، أنني وافقت على إبقائه في منصبه حتى اليوم ...."  (صفحة 289 يوم 25/1/1955)، وهو ما يعني أن رئيس الوزراء حينئذ كان شريكا مع وزيره لفون في حرب الإبادة. وما لم يوضحه شريت، قامت صحيفة "هآرتس" بنشر العناصر الشيطانية لذلك الصهيوني الفاشي، الذي تقوم خطته على "نشر بكتيريا سامة في أجواء قطاع غزة، لإبادة كل السكان. وقد أصدر لفون أوامره لرئيس هيئة الأركان، مردخاي ماكليف أمرا بنشر البكتيريا السامة في القطاع، وفي منطقة الحدود مع سوريا". (صحيفة هآرتس 24/8/2007). ولنلاحظ توقيت نشر الصحيفة الإسرائيلية لجريمة الإبادة، نرى أنها جاءت متزامنة مع سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وكأنها أرادت التذكير بحرب الإبادة، وشاءت الربط بين الانقلاب وبين خطة لفون. 
وكان بن غوريون، مؤسس الدولة الصهيونية، ورئيس وزرائها الأول أحد مهندسي وعرابي خيار الترانسفير، والذي كان يعتقد، أن مشروع الدولة الكولونيالية الصهيونية لا يمكن أن تقوم له قائمة إلا عبر خيار الطرد والتهجير. وكان يرفض مجرد وجود اقلية فلسطينية عربية في دولة المشروع الصهيوني. كما أن أبا إيبان، وزير خارجية إسرائيل في ستينيات القرن الماضي استدعى امرأة مختصة في جلب يهود العالم للهجرة لإسرائيل، اسمها عادة سيراني، وأمرها بوضع سيناريو مشروع لطرد سكان محافظات الجنوب، وفعلا وضعت خطتها، وطالبت برصد المال الكافي لتنفيذ المشروع. ولكن مشروعها باء بالفشل.
كما فشل مشروع جونسون في خمسينيات القرن الماضي. وفشل مشروع توطين الفلسطينيين في الدول العربية بعد حرب حزيران/ يونيو 1967وتحديدا في سوريا والعراق. وأيضا فشل مشروع زعيم الليكود، الذي أبرزته الصحف الإسرائيلية في 20 /8/2019 على شاكلة خبر أعلن عنه أحد مقربي بنيامين نتنياهو، جاء فيه أن "إسرائيل مستعدة لفتح حدودها وأجوائها لترحيل فلسطينيي غزة طوعا". والآن هناك كم من مشاريع التوطين في دول الخليج والمهاجر الأوروبية. بيد أن كل تلك المشاريع ستبوء بالفشل، وسيهزم المشروع الصهيوني وتنتصر إرادة البقاء والاستمرارية والثبات الفلسطينية العربية على أرض الآباء والأجداد.
[email protected]