الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 أيلول 2021

لندقق في مصطلح إنهاء الانقسام

باسم برهوم

أن تكون الساحة الفلسطينية في حالة انقسام وتشرذم، ففي هذا مصلحة مباشرة  للمشروع الصهيوني ليستمر في التمدد والتغول، ومنذ اليوم الأول، الذي بدأت فيه بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور، وبهدف إقامة الوطن القومي اليهودي المنصوص عليه بالوعد كان لا بد من استخدام سياسة فرق تسد وإبقاء الفلسطينيين منقسمين على أنفسهم، ومع الأسف هذه السياسة لا تزال مستمرة والبعض منا يواصل التجاوب معها. بالمقابل فإنه من الطبيعي وما تفرضه المصلحة الوطنية أن يكون الشعب الفلسطيني  موحدا في مواجهة الاحتلال وتحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال.
في سياق هذا التاريخ فإن الانقسام الراهن لا يشبه أيا من الانقسامات والانشقاقات التي سبقته، على سبيل المثال كانت سلطة الانتداب قبل نكبة عام 1948 تغذي الخلافات والانقسامات العائلية والعشائرية، ولاحقا بدأ التدخل العربي في الشؤون الفلسطينية يغذي بدوره هذه الانقسامات والتي أخذت أبعادا سياسية متناقضة، خاصة حول الكيفية التي يتم فيها التعامل مع سلطة الانتداب والعلاقة مع المجتمع اليهودي المتنامي (اليشوف)، وأيضا حول مستقبل الحل للقضية الفلسطينية.
كما أن الانقسام الراهن مختلف عن تلك الانشقاقات التي كانت تشهدها منظمة التحرير الفلسطينية والثورة الفلسطينية في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، والتي كانت في الغالب تغذى من الأنظمة العربية. انشقاقات كانت تتم على أرضية وطنية وغالبا ما كانت تنتهي بإعادة الوحدة لمنظمة التحرير في إطار المجلس الوطني، إما عبر اتفاق على برنامج  سياسي مشترك أو عبر إيجاد طريقة إيجابية لإدارة الخلافات والاختلافات السياسة في إطار التعددية السياسية، تماما مثل ما جرى مع انشقاق عام 1983، والذي انتهى في اجتماع المجلس الوطني المنعقد في الجزائر عام 1987.
بخصوص الانقسام الراهن هناك خطأ شائع بأنه قد بدأ مع سيطرة حماس بالقوة على قطاع غزة عام 2007. إن ما جرى في حزيران/ يونيو من تلك السنة كان تمردا عسكريا قام به فصيل، هذا الفصيل  لم يكن يوما جزءا من منظمة التحرير ورفض الانضمام إليها على امتداد عقود ليس لأسباب سياسية بل لأسباب عقائدية. حماس في عام 2007 انقلبت على حكومة الوحدة الوطنية، التي تشكلت نتيجة لاتفاق مكة في شباط / فبراير من العام نفسه، الأمر الذي أدى إلى انفصال القطاع عن الضفة وغيب الوحدة السياسية والجغرافية لما يفترض أنها أراضي الدولة الفلسطينية.
الانقسام لم يبدأ مع هذا التطور الخطير على المستوى الاستراتيجي، وإنما له جذور أعمق. وأعقد من ذلك أن حماس لها جذر فكري وعقائدي مختلف كليا عن الجذر الوطني العلماني لفصائل منظمة التحرير، حماس جزء من جماعة الإخوان المسلمين، أي أنها حركة من حركات الإسلام السياسي. وعندما تأسست منظمة التحرير وانطلقت الثورة الفلسطينية المسلحة في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين كانت جماعة الإخوان حليفا للأنظمة العربية المحافظة وجزءا من الحلف الغربي والإقليمي المناهض للشيوعية والاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي ولم تكن يوما جزءا من حركات التحرر المناهضة للإمبريالية والتي تناضل من أجل الحرية والاستقلال الوطني.
وقبل أن تتأسس حماس، وعندما كانت فقط جماعة إخوان مسلمين رفضت الانضمام للثورة الفلسطينية في المنفى، وفي الأرض الفلسطينية المحتلة كانت متعايشة مع الاحتلال ولا تقاومه تحت شعار أن أسلمة المجتمع لها الأولوية. وبعد تأسيسها عام 1988،  رفضت حماس كل مساعي الزعيم الشهيد ياسر عرفات لضمها لمنظمة التحرير، وفي تبريرها لعدم الانضمام قالت حماس في ميثاقها إن السبب هو أن منظمة التحرير منظمة علمانية نشأت في مرحلة المد القومي العربي وأخذت صفاته وميزاته ولذلك اختلقت كل المبررات لعدم الانضمام.
 ولم ترفض حماس الانضمام للمنظمة وحسب، إنما رفضت الانضمام للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الشعبية الكبرى التي اندلعت في نهاية عام 1987. ولم تكتف حماس بعدم الانضمام للقيادة الموحدة، بل عملت على شق الشارع الفلسطيني النضالي وبدأت في إعلان إضرابات وتنظيم مظاهرات وفعاليات منفردة وفي أيام تختلف عن تلك التي كانت تحددها القيادة الوطنية الموحدة، والتي كانت تضم كل الفصائل والمنظمات الشعبية.  شق وحدة الشعب الفلسطيني في ذروة الانتفاضة كان هدفا تسعى لتحقيقه سلطة الاحتلال الإسرائيلي،  وعندما تحقق ذلك قامت بتغذيته على طريقتها.
ولأن حماس بقيت تعمل منفردة من خارج الصف الوطني فإن مصطلح إنهاء الانقسام بمعناه السياسي  يتم استخدامه بطريقة خاطئة، لأن الانقسام كان موجودا منذ زمن طويل قبل أن تسيطر حماس على قطاع غزة عام 2007، إن ما يجب التركيز عليه هو إنهاء مفاعيل هذه السيطرة المنفردة، وإنهاء فصل غزة عن الضفة. الجهد يجب أن يتركز على إيجاد طريقة تضع حدا لفصل القطاع وتتصرف حماس كأنه إمارة لها.
إن الهدف الإستراتيجي الأهم لإسرائيل هو أن يتواصل هذا الانفصال ويستمر، وكل ما عداه هو تفاصيل يمكن مواجهتها، الهدف الاستراتيجي للصهيونية العالمية يبقى دائما منع قيام دولة فلسطينية، لأن قيام مثل هكذا دولة يعني نهاية توسع وتمدد المشروع الصهيوني، بل بداية النهاية لهذا المشروع الاستعماري. لذلك فإن أي شيء يؤجل ويعطل تحقيق هدف الدولة يصب في مصلحة إسرائيل حتى لو أخذ أشكال تبدو إنها متصارعة معه وتقاومه.
إن مصطلح إنهاء الانقسام يحتاج إلى توضيح،  فبقاء حماس كجزء من جماعة الإخوان والإسلام السياسي سيتواصل، وبالتالي فإن حماس لن تتوقف عن العمل لما يحقق أهداف الجماعة ومناوراتها. على الجميع أن يضغط لإنهاء فصل غزة وإعادة توحيده مع الضفة. أما مسألة تفعيل منظمة التحرير، فهذا هو آخر هموم حماس. بل على العكس فهي تنمو على حساب خراب المنظمة. إن مسألة تفعيل المنظمة هي من مسؤولية فصائلها، وبالتحديد فصيلها الأكبر والأهم حركة فتح، فإذا ما أردنا الحفاظ على هوية المنظمة الوطنية؛ والحفاظ على الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني فإن تفعيل المنظمة هو أمر حيوي وليس بما تدعيه حماس من حديث عن إصلاح المنظمة، ما هو إلا حجة تهدف من ورائها إما للتنصل من الانضمام للمنظمة أو بهدف أن تسيطر هي منفردة عليها. 
مصطلح إنهاء الانقسام يحتاج إلى توضيح وأن يعالج بطريقة مختلفة بأن يعني توحيد الوطن بغض النظر عن استمرار الاختلاف في إطار التعددية السياسية واحترام مبدأ التداول السلمي للسلطة. أما المنظمة فهي جسم مختلف ومن يريد الدخول إليها يجب أن يحافظ على هويتها الوطنية ولا يأخذها لتصبح واحدة من  حركات الإسلام السياسي أو لخدمتها.
المسألة قد تكون بحاجة لنقاش أوسع لبلورة موقف وطني ينهي الانقسام بطريقة عملية وألا يبقى شعارا فارغا من أي مضمون حقيقي، فالمصلحة ليست مجرد اتفاق من الأعلى بين الفصائل، المصلحة يجب أن تقود إلى توحيد الوطن الفلسطيني قبل كل شيء.