الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 05 أيلول 2021

رحل الإغريقي الجميل ثيودوراكيس نصير الثورة الفلسطينية

باسم برهوم

في بيروت، في شتاء عام 1981، في سينما ومسرح البيكادلي، كنت من بين المحظوظين القلائل الذين أتيحت لهم فرصة حضور حفل الموسيقار اليوناني الأممي العظيم ميكيس ثيودوراكيس. صدفة، محض صدفة،  قبل يومين أو ثلاثة من الحفل، لا أذكر بالضبط، كنت أمشي في إحدى زواريب الفاكهاني، حيث كان مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والثورة الفلسطينية، والحركة الوطنية اللبنانية، التقيت بالقائد الثوري ماجد أبو شرار، الذي كان النموذج للكثيرين من جيلي، كالعادة تبادلنا الحديث، وقبل أن نفترق قال: انتظر.. أنت من يستحق الحصول على هذه الدعوة لحضور حفل رفيقك ثيودوراكيس. وأضاف مع الأسف الشديد أنا لن استطيع الذهاب لأستمع وأستمتع وأرى هذا الإغريقي العظيم، هناك اجتماع للجنة المركزية لفتح في الموعد ذاته. أخذت الدعوة دون أي تردد وقلت لا يمكن أن أفوت هذه الفرصة.

ارتبط  ثيودوراكيس بوعي بأنه موسيقار ملتزم بقضايا شعبه اليوناني، نصير الحرية والعدالة الاجتماعية يقف إلى جانب الطبقات المسحوقة في مواجهة مستغليهم من الرأسماليين، إنه ضد أي ظلم، مرتبط بوقوفه إلى جانب حركات التحرر وبالتحديد مع الثورة الفلسطينية، مع قضية الشعب الفلسطيني العادلة. وموسيقيا ارتبط ثيودوراكيس بموسيقى فيلم  زوربا، وهو لحن أدهش العالم بعذوبته وما زال واحدا من أهم الألحان التي ترقص عليها كل شعوب العالم بفرح.

في مسرح البيكادلي كان اللقاء، كان الاندهاش لقد سيطر هذا الموسيقار الإغريقي الجميل على كل حواسنا، كنا نسمع ونخلق عوالم بخيالنا اتاحتها الموسيقى التي تنتقل بسلاسة وعذوبة بين الحماس الثوري والهدوء الارستقراطي . كانت القاعة تعج بقيادات فصائل الثورة والحركة الوطنية اللبنانية، وكان الحزب الشيوعي اللبناني هو من نسق لهذا الحفل التضامني مع الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.

بعد انتهاء الحفل، وفي الشارع  الفرعي المعتم، شعرت باللحظة التي فقد فيها آدم وحواء الجنة، كانت حواسي لا تزال مع موسيقى ثيودوراكيس، دخلت في لحظات سكون وصمت لم أتفوه بكلمة، ثم فجأة صرخت إنه أرسطو القرن العشرين؛ إنه سليل هذا الفكر وهذه الفلسفة التي غيرت عقل الحضارة الإنسانية.

لقد أسعفني الحظ مرة أخرى وحضرت حفل لثيودوراكيس في أثينا في شتاء عام  1983، بعد الخروج من بيروت، كان الحفل للتضامن مع شبيبة فلسطين ولبنان، حيث نظم الحزب الشيوعي اليوناني مؤتمرا دوليا للتضامن مع  شبيبة الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية كنت أحضره عضوا في الوفد الفلسطيني. ولم أكن لأفوت فرصة ثالثة في العاصمة القبرصية نيقوسيا في صيف عام 1985 لأكون من بين الآلاف الذين جاؤوا من كل أنحاء الجزيرة ومن الجزر اليونانية القريبة ليستمعوا لهذا المزيج من الموسيقى الثورية والرومانسية موسيقى بطعم الإنسانية جمعاء.

ثيودوراكيس بدأ حياته مبكرا مناضلا من أجل الحرية و تحرير وطنه اليونان من النازية (الاحتلال الإيطالي والألماني والبلغاري) خلال الحرب العالمية الثانية، واعتقل وعذب عدة مرات، ومن ثم واصل كفاحه ضد الدكتاتورية في خمسينات وستينات القرن العشرين وضد الحكم العسكري بعد انقلاب عام 1967، ورفض أن تكون اليونان عضوا في حلف الأطلسي، وفي تلك المرحلة الصعبة في تاريخ اليونان تم نفي ثيودوراكيس إلى باريس، وهناك التقى بأهم أدباء وشعراء ومفكري وفناني فرنسا والعالم من بينهم الشاعر الأممي باولو نيرودا، وهناك ألف العديد من أهم مقطوعاته الموسيقية ومن بينها مقطوعة فيلم زوربا المأخوذ من رواية صديقه ومواطنه الروائي اليوناني العبقري نيوكس كازنتازاكس.

رحل  ثيودوراكيس عن عالمنا يوم الخميس الماضي، رحل النصير القوي والمخلص للقضية الفلسطينية، صديق ياسر عرفات، كان آخر هؤلاء من جيل العظام الذين حافظوا على التزامهم بقضايا شعبهم والشعوب الأخرى حتى آخر رمق بحياته، لقد بقي مخلصا لمبادئه، في النضال من أجل تحقيق الحرية والعدالة والمساواة، نصير لكل المقهورين والمظلومين في هذا العالم، إنه آخر الإنسانيين العظام أمثال الشاعر الإسباني لوركا، واللاتيني نيرودا وكفافي ويانس ريتسوس ومحمود درويش وسعدي يوسف.

لقد رحل من جعلني أكثر إنسانية، من جعلني اكتشف حواسي بطريقة مختلفة، لكنه سيبقى خالدا في ضمير الشعب الفلسطيني وفي ضمير البشرية جمعاء من خلال أكثر من خمسين عملا موسيقيا رائعا، من السمفونيات والأوبرا وموسيقى أكثر من 17 فيلما عالميا، من بينها زوربا، ومقطوعات أخرى،  سيبقى خالدا معنا من لحن لفلسطين نشيدها الوطني.. وداعا ثيودوراكيس أيها الإغريقي الجميل.