الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 حزيران 2015

المطلوب.. صرخة مثقف

حنان باكير

شاعر نيجيريا العظيم وولي سوينكا، قال بما معناه "ان الكاتب في عالمنا يولد ملتزما، وان الكتابة ليست ترفا ثقافيا كما هي عند الشعوب المتحضرة".. قد يكون هذا صحيحا الى حد ما، اذا ما اعتبرنا الالتزام الوطني، ولكن هناك التزاما انسانيا او اجتماعيا تجاه نصرة مظلومين، كما هو الامر في الدول المتحضرة. هذا ما فكرت به يوم تعرفت على الشاعرة النرويجية "كاميلا يول ايده ". أصدرت كاميلا ديوانا بعنوان " نسبح نحو مدخل البحر". ولقي ترحيبا من النقاد والكتاب، وقام الكاتب وليد الكبيسي بترجمته الى العربية. 

ألحقت كاميلا ديوانها، بكتاب عنوانه "لا يطلق سراحه أبدا"، ويقع في 530 صفحة، وأهدتني نسخة منه. أثار الكتاب ضجة كبيرة، ويمكن القول انه شكل صفعة للقضاء النرويجي، ويتعلق بقضية رجل حكم عليه بالمؤبد سنة 1956... وهذه قصته:

في ليلة شتائية باردة، وبعد منتصف الليل، من عام 1956، القت الشرطة القبض على شاب ثمل يقود دراجة اطفال هوائية. خيّل للشرطة انه قام بسرقتها. فاقتيد الى المخفر للتحقيق. وتبين انها دراجة ابن اخته. كان من الممكن ان ينتهي الامر هنا، ويطلق سراحه.. لكن من سوء طالعه، ان المخفر تبلغ بحصول جريمة قتل واغتصاب امرأة، في المنطقة التي قبض فيها على الشاب, وفي الوقت نفسه! فتلبسته التهمة. وحكم عليه بالسجن المؤبد، رغم اصراره على البراءة من تلك الجريمة. 

بدأ يكتب الشعر وهو في سجنه.. تلقف الشاعر المنتحر بيورنبو، شعره وبدأ بنشره، من باب التعاطف معه، ولأنه مرّ بذات التجربة. تجربة السجن بسبب كتاب اصدره، فاتهمه المدعي العام بالفحش والتعرض لموضوع الجنس.. وانه المدعي العام نفسه الذي حكم على الرجل! في ذلك الوقت كان القضاء النرويجي، مثل سيف مسلط على رقاب الكتاب.. قبل أن تنفض النرويج عن نفسها غبار التسلط وتكميم الافواه.

قضى الرجل في السجن عشرين سنة، ثم اطلق سراحه سنة 1976.. دخله شابا وخرج منه كهلا! سمعت كاميلا قصة ذلك الرجل. فالتقته مرات وتحدثت اليه. وألفت كتابها عن قضيته، لكنها ادركت ان التعاطف مع المضطهد لا يكفي للتعبير عن رفع الظلم عنه، فأثارت قضيته مع الرأي العام، اضافة الى الكتاب الذي يأتي بالادلة التي تبرئ الرجل. فقررت المحكمة العليا رفع قضية ضد الحكومة.. بعد عشرين سنة، وظهرت براءته، وتمّ تعويضه عن ذلك الخطأ، الذي هدر شباب وحياة انسان بريء!

وفي الفترة القصيرة، التي عشتها في باريس وتحديدا في شارع "اميل زولا".. قرأت تفاصيل حياة ذلك الاديب، الذي تولى الدفاع عن براءة، الجنرال في الجيش الفرنسي" ألفريد دريفوس"، الذي اتهم بالخيانة العظمى. لكن الشاعر آمن ببراءة الجنرال، ودافع عنه. ليس مهما براءة الرجل، بقدر ما يهمني، دور المثقف الفاعل في توجيه قضايا امته. وجاءت مقالة زولا" إني اتهم" صرخة، أطلقت سلطة المثقفين الفاعلة في فرنسا. فولتير الكاتب الفرنسي المعروف، لعب ايضا دورا مهما في نصرة اقلية مسيحية مضطهدة! ما يدور في خلدي الآن.. متى يطلق المثقف العربي صرخة "أخيل", في وجه الظلم، ويناصر الفقير والضعيف، متخليا عن التماهي مع اصحاب السلطة، مُبخّرا ومسبحا بحمدها!