الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 حزيران 2015

الحكومة المرجوّة واشتراطات حماس

عدلي صادق

في أغلب التوقعات وأكثرها واقعية، لن تنجح محاولة إقناع حماس بالانضمام لحكومة توافق، قوية ومسؤولة ومهابة ومنزّهة عن الأغراض والمقاصد الفئوية، وضامنة لوحدة الكيانية الفلسطينية، ولاستهلال مرحلة جديدة مبشرة بعمل جدي وفعّال، للتغلب على العوائق الموضوعية وتخفيف معاناة شعبنا وإعطاء زخم للورقة السياسية الوطنية. فالمكتوب يُقرأ من عنوانه، وعندما يكون العنوان اشتراطات حمساوية غليظة، تكرس وضعية اختطاف الكيان الفلسطيني والهيمنة عليه وأخذه الى العدم وحرمان الفلسطينيين من الاستحواذ على إرادتهم والذهاب الى صناديق اقتراع؛ نعود على صعيد المصالحة الى تضييع الوقت ومضغ الكلام. فقبل مناقشة الاشتراطات الحمساوية، نؤكد على أن المقصود من عبارة الموافقة من حيث المبدأ، هو محاولة مكرورة لتحميل المسؤولية عن استمرار الانقسام، لقيادة السلطة الوطنية ولمنظمة التحرير، على افتراض أن من يتابعون من بعيد، يمكن أن يشعروا أن حماس كانت إيجابية، وأنه لولا عناد السلطة لمضت الأمور في الاتجاه الصحيح وتحقق الوئام الفلسطيني!

لننظر في اشتراطات حماس الثلاثة، التي سيتفرع عنها حكماً، الكثير من الاشتراطات الفرعية والثقيلة. الأول، وهو من جنس الأيديولوجيا لا من جنس السياسة التي يسوس بها الوطنيون الواقع الجامح، توخياً للتحقق الوطني على الأرض، يطلب من السلطة عدم الاعتراف بإسرائيل. نحن هنا لا نذم الأيديولوجيا، ونعرف إنها لازمة للذهاب بالواقع الوطني ـ في مسار تاريخي لمجتمع مؤطر سياسياً ومستقر ـ الى رحلة استكمال الحقوق، بهدي من المدركات الأولى للقضية الفلسطينية. لكن اشتراط حماس ألا تعترف السلطة بإسرائيل، ينافي واقع واشتراطات قيام السلطة، وينافي وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) التي وافقت عليها حماس، ويقطع أرجل وأيدي المشروع الوطني قبل أن يعود للحركة ويبدأ العمل، لأن العالم المستعد لمؤازرتنا لكي نتحقق على الأرض ونبسط سيادة الدولة الفلسطينية على أراضيها؛ لن يقبل منا، وفق المعطيات الراهنة، عدم الاعتراف بإسرائيل ورفض برنامج منظمة التحرير. هنا، يكون ظاهر الاشتراط شبيهاً بالموقف النبيل المتوائم مع حقائق الصراع ومع فهمنا للحد الأقصى لحقوق شعبنا. لكن الجوهر الحقيقي للاشتراط السياسي الذي من جنس الأيديولوجيا، هو وضع العصا في العجلة لكي تتواصل الهيمنة على غزة ولكي تمضي حماس في مشروع الدويلة. فلو كان الاشتراط نبيلاً فعلاً، لوضعت البدائل بلا جعجعة وبلا ديماغوجيا. والبدائل معروفة، إما حرب تحريرية، أو الاضطلاع بالمسؤولية الوطنية، سياسياً، توخياً لإنقاذ المتاح إنقاذه من الأرض ومن أمنيات الاستقلال الوطني في أراضي عام 67. ففي خيار الحرب التحريرية، لم نجن سوى الكارثة، لأن مقومات شن هذه الحرب، لا تتوافر على المستوى الفلسطيني الذاتي، ولا على المستوى الإقليمي العربي، ولا على الصعيد الدولي. وفي حال أرضينا أنفسنا ووجداننا، بجملة أو بموقف يرفض الاعتراف بإسرائيل ثم كفى الله المؤمنين مشقة العمل؛ نكون قد وضعنا أنفسنا في مهب الريح لنخسر كل شيء. إن هذا هو ما يُمليه الواقع الراهن، نعترف به دون أن يكون مبهجاً لقلوبنا ولا متوافقاً مع ثقافتنا. ومعنى أن نخسر كل شيء، هو أن إنكار حق إسرائيل في الوجود، لن يتاح لنا حتى في الثقافة مثلما يتاح لشعبنا في أراضي 48 لأن شعبنا في أراضي 48 يمارس في ظل دولة قائمة، حقه في تربية الأجيال وفق ثقافته وطقوسه المتوائمة مع مدركات قضيته ومع حقائق الصراع ومع فكرة بطلان انتهاب فلسطين. أما في الشتات، وفي حال اللا تشكل السياسي، سنظل منهمكين في مكابدة كل أنواع المعاناة، والبحث عن حلول للمشكلات الصغرى الفردية والعائلية. إن هذا هو الواقع. ويكذب ويغالط نفسه ويتعامى عن الواقع، تعامياً معيباً، كل من يسلي نفسه بالرفض المطلق، وهو بائس في واقعه، ويدعو الى حرب تحريرة مظفرة ومزلزلة!

الاشتراطان الآخران، أحدهما يمكن مناقشته، وهو يتعلق باختيار رئيس الحكومة، والثاني لا يمكن تلبيته، وهو استيعاب موظفي حماس. وهذا الاشتراط الثاني، كانت السلطة والمنظمة قد اقتربتا من تلبيته، على قاعدة أن عدد الموظفين المدنيين التابعين لحماس 12 ألفاً وبضع مئات. لكن حماس، وضعت العراقيل عندما ضمت الى حسبتها عشرات الألوف من أذرعها العسكرية وأرادت من السلطة اعتبارهم موظفين. فإن كانت حماس تريد حكومة وفاقية قوية، عليها أن تتصرف على النحو الذي يُعيد تأهيل عناصر اذرعها الأمنية، لدخول إطار تنظيمي ومدني محض، وهي لن تعجز عن تلبية احتياجاتهم المعيشية، ويمكن استيعاب الموظفين المدنيين بعددهم المحدود، على قاعدة إعادة هيكلة المؤسسات المدنية، لكي تنتفي هيمنة عناصر حماس أو غيرها من الفصائل، على الجهاز الحكومي في غزة والضفة، ما يضعف السقوف السياسية للوزارات وينزع عن الوزراء صلاحياتهم الحاسمة في وزاراتهم.

إن هذا هو الموقف الذي ينبغي أن تعرفه وتعمل به الفصائل، إن كان التوجه الى حكومة فصائلية قوية، جاداً ومنطقياً. لكن التوجه الحمساوي ـ للأسف ـ ليس جاداً ولا قيمة لعبارة القبول من حيث المبدأ.