عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 29 تشرين الأول 2015

جنين رام الله وبالعكس: الخميس!

كتبت: رحمة حجة

المجمّع (موقف المركبات)

عشرات المواطنين يقفون جماعات وفُرادى. منادٍ يصرخ بأعلى صوته "مين ع نابلس؟" والعشراتُ من العشرات يهرعون نحوه لتناول بطاقات مُرقّمة، تحدد دورهم في صعود المركبات العمومية، بينما المواطنون من جنين ينتظرون في فراغ المكان الذي تحتله مركباتهم عادةً، حتى يُطلّ سائقٌ يعمل في منطقة أخرى (خط مغاير) ويقرر أن يُقلّهم إلى جنين لأن الأولى اختفت منذ الساعة الثالثة والنصف مساءً!

أقف أيضًا بانتظار مركبة جنين، فأفاجأ بسائق يتجه نحوي بعد أن يسأل اثنين قبلي "ع جنين؟" فأجيبه "نعم"، ليقول بثقة "آخر راكب يلا بـ 50 شيقل؟" وهو سائق تاكسي صغير، يأخذ إلى جنين مقابل (200) شيقل، يتم تقسيمها على الركاب الأربعة.

أقابل طلبه بالرفض، فيأتي سائق آخر "ع جنين؟" أجيب "نعم" فيقول "يلا بـ 45 شيقل" فأرفض ويرفض كذلك البعض حولي، لكن آخرين يقبلون.

ثم ينادي ذات المنادي الذي يعتبره الكثيرون "قشة النجاة" كلّ خميس في مجمع المركبات العمومية للمحافظات في رام الله: "جنين عرابة مين؟".

أشعرُ أن حظي الرائع أتى، وإذ بالسائق من جنين لكنه لا يعمل في خط جنين- رام الله، ويريد ركابًا قريبين من قريته وهي قبل المدينة، كي لا يُضطر لوصول الأخيرة ثم العودة لقريته.

هذا السائق يعود إلى جنين كل يوم خميس لقضاء إجازة الجمعة مع عائلته، بينما يعمل طوال الأسبوع في أحد خطوط رام الله الداخلية. سألناه "كم الأجرة" فأجاب "35 شيقل نفس ما بوخدو منكم"، سكينةٌ هبطت في قلوبنا، لنتبادل وإياه حديثًا حول استغلال السائقين لحاجة الركاب.

يمرّ السائق عبر مدينة نابلس بعد اجتياز حاجز "حوّارة"، إذ تغلق قوات الاحتلال الإسرائيلي طريق "يتسهار" المعتادة، هذه الأيام، وبعد وصولونا وسط المدينة، يوقفنا شرطيّ مرور، بحجة أن السائق ينقل ركابًا بشكل غير قانوني، ويتوجّب عليه أن يعود إلى جنين بلا ركاب.

السائق الخمسيني الذي يكسو الشقاء مشيته البطيئة ووجهه الشاحب، يحاول النجاة من المخالفة عبر حوار على بعد أمتار من المركبة، ونحن ننتظر.

 يعود السائق خائبًا تاركًا أحد الرّكاب يتحاور مع الشرطي، الذي يتصّل بالمجمّع في رام الله للتأكد من المبرر لفعلة السائق وهو "الأزمة وغياب مركبات جنين"، ثم يعود الشرطي وتعود أوراق السائق، ويكتفي الشرطي بعدها برمي عبارة على مسامعنا "أنا سجلت اسمك، المرة الجاي إذا بتعيدها بتتخالف؟".

يقول السائق "المستوطنين والجنود محاصرينّا من برّا وهدول من جوّا"، ويصف أحد الركاب القوانين بــ"الموسمية" بينما يقول ثالث "يروحوا يشوفوا الكراج وينظموه أول".

أتذكّر العبارة الشهيرة في مثل هذا اليوم من كل أسبوع "ما هو اليوم الخميس" التي يرددها سائق التاكسي الذي قد يوصلك منتصف المسافة حيت تكون وجهتك "المجمع" بسبب الأزمة القاتلة، ويرددها أصدقاؤك حين تستغرب لأنهم سيعودون إلا مدنهم وقراهم أبكر من المعتاد، وقد يقولها زميلٌ لك إذا أردت نشر مادة صحافية بأنها لن تلقى بالًا فالجمهور الأساس لمعظم وكالات الأخبار من شعب الموظفين، وربما تخبرك بها أمك حين تسألها "شو غدانا" فتجيبك "مش طابخة مهو اليوم الخميس بكرا بطبخ اشي منيح"!